في شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة، لا يكفي أن يستيقظ الأطفال صباحًا ويرتدون ملابس المدرسة ويحملون حقائبهم حتى يتمكنوا من الوصول إلى صفوفهم. فعليهم أولًا انتظار توقف إطلاق النار، قبل أن يصطحبهم أحد الكبار مسرعين نحو الغرب، حيث تقع مدارسهم على بعد بضع مئات من الأمتار من منازلهم.
تروي فائقة الصوص، وهي معلمة متقاعدة تبلغ من العمر 70 عامًا، كيف يترقب الأطفال في حيّها لحظات الهدوء للخروج من منازلهم. وتعيش فائقة مع أسرتها على بعد تقدّره بنحو 200 إلى 250 مترًا من "الخط الأصفر" شرق البريج، حيث تستطيع رؤية المكعبات الصفراء التي تحدد الخط، وتسمع حركة الدبابات، فيما يجعل تحليق الطائرات المسيّرة وإطلاق النار مغادرة المنزل قرارًا محفوفًا بالخوف.

وظهر "الخط الأصفر" لأول مرة ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بوصفه خطًا فاصلًا داخل قطاع غزة انسحب إليه الجيش الإسرائيلي في المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، التي دخل وقف إطلاق النار بموجبها حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025. ويفصل "الخط الأصفر" بين المناطق الواقعة شرق قطاع غزة، التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، والمناطق الواقعة غربه، حيث يُسمح للفلسطينيين بالتنقل.
بعد عام على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتوقيع الاتفاق في مشهد احتفالي استقطب أنظار العالم، لا تقيس فائقة في روايتها لـ"أثر" الهدوء بالأيام التي مضت منذ الاتفاق، وإنما بغياب الطائرات المسيّرة وتوقف إطلاق النار. وتصف اليوم الذي لا تحلّق فيه طائرات "الكوادكوبتر"، ولا يُسمع فيه الرصاص، بأنه "يوم عيد"، لكنه لا يمنح السكان شعورًا دائمًا بالأمان؛ فقد تمر ساعات دون إطلاق نار، قبل أن تتجدد الأصوات مساءً أو بعد منتصف الليل. وتضيف: "نحن لم نهنأ يومًا ولا ليلة، واليوم اللي ما بصير فيه إطلاق نار برضه بنكون حذرين".
تأتي شهادة فائقة بعد عام من اتفاق كان يُفترض أن يوقف العمليات العسكرية، ويمهّد لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية وعودة السكان إلى حياتهم، لكن استمرار القصف وإطلاق النار والانتشار العسكري أبقى المخاطر حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
شرم الشيخ.. اتفاق أُعلن وحرب لم تتوقف
في 13 أكتوبر 2025، استضافت مدينة شرم الشيخ المصرية قمة دولية للسلام، برئاسة مشتركة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة قادة وممثلين عن عشرات الدول.
وخلال القمة، جرت مراسم توقيع وثيقة لدعم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، بمشاركة مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا. وقدّم ترامب الاتفاق باعتباره نهاية للحرب، وسط تطلعات دولية إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين وإعادة إعمار القطاع.
وجاء الاتفاق ضمن خطة أمريكية تضمنت تعليق العمليات العسكرية، بما فيها القصف الجوي والمدفعي، وتجميد خطوط القتال خلال الترتيبات الأولية للانسحاب الإسرائيلي. كما شملت إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين مقابل الإفراج عن أسرى ومعتقلين فلسطينيين، وزيادة المساعدات الإنسانية، إلى جانب ترتيبات لاحقة للانسحاب وإدارة القطاع وإعادة الإعمار، يرتبط تنفيذ بعضها بشروط أمنية وعسكرية.
غير أن المشهد الدبلوماسي في شرم الشيخ لم يتطابق مع الواقع الذي عاشه سكان غزة خلال الأشهر التالية. فوفق تحليل أجرته "أثر" لبيانات مشروع مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED)، سُجل 14,907 حدثًا في الأراضي الفلسطينية خلال الفترة من 11 أكتوبر 2025 حتى نهاية سبتمبر 2026، استحوذت الضفة الغربية على نحو 68.4% منها، مقابل 31.6% في قطاع غزة.
ورغم أن الضفة الغربية سجلت النسبة الأكبر من الأحداث، فإن قطاع غزة استحوذ على نحو 92.1% من إجمالي الضحايا المقدّرة المرتبطة بهذه الأحداث، مقابل 7.9% في الضفة الغربية، من أصل 2,060 وفاة مقدّرة في الأراضي الفلسطينية خلال الفترة نفسها- وفقًا للبيانات التي جمعها المشروع.
وتشمل الأحداث التي يرصدها المشروع الغارات الجوية والقصف والاشتباكات والعنف ضد المدنيين، إلى جانب الاحتجاجات والتطورات العسكرية والأمنية الأخرى. ويُظهر التوزيع الشهري استمرار الحرب على قطاع غزة خلال الأشهر التالية للاتفاق.
وفي قطاع غزة، بلغ عدد أحداث القصف المدفعي أو الصاروخي 1,758 حدثًا، تلتها الغارات الجوية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة بواقع 1,496 حدثًا. وسُجلت 526 حادثة نهب أو تدمير للممتلكات، و475 اعتداءً مباشرًا، إلى جانب 116 اشتباكًا مسلحًا. وبذلك، بلغ مجموع هذه الفئات الخمس 4,371 حدثًا، بما يعادل نحو 92.8% من إجمالي الأحداث المسجلة في القطاع.
وفي قراءة للواقع الميداني بعد الاتفاق، يرى عاهد فروانة، أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين والمحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية، أن استمرار القصف والاغتيالات وتدمير المباني والمنشآت يكشف الفجوة بين الإعلان السياسي عن وقف إطلاق النار وحياة السكان على الأرض.
ويقول فروانة لـ"أثر" إن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف منذ الإعلان عن الاتفاق، معتبرًا أن استمرار سقوط القتلى والجرحى والنزوح المتكرر يجعل وقف إطلاق النار "حبرًا على ورق".
وبحسب تحليله، لم تنتهِ العمليات العسكرية بعد أكتوبر 2025، وإنما تغيرت طبيعتها؛ إذ انتقلت إسرائيل من الاجتياحات البرية واسعة النطاق، التي شهدتها مدينة غزة وشمال القطاع خلال عمليات مثل "عربات جدعون"، إلى ما يصفه بـ"حرب استنزاف يومية" تقوم على القصف والاستهداف المتكرر.
ويشير إلى أن هذه العمليات لا تقتصر على خطوط التماس، وإنما تمتد إلى مخيمات النزوح والمباني والمنشآت والمركبات وتجمعات السكان في مناطق مختلفة من القطاع، معتبرًا أن هذا التحول أتاح استمرار العمليات العسكرية دون الحاجة إلى اجتياحات شاملة بالمستوى السابق.
عرف المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، "عربات جدعون" بأنها عملية تسعى إلى فرض سيطرة عسكرية ميدانية على الأرض، بحيث تتمكن قوات الاحتلال الإسرائيلي من إدارة حركة السكان عبر إقامة مناطق عازلة (تشبه الغيتوهات)، يتم فيها تجميع المدنيين الفلسطينيين، مما يتيح للجيش حرية العمل العسكري في بقية أنحاء القطاع.
وبحسب تحليل "أثر" لبيانات ACLED، بلغ مجموع الوفيات المقدّرة المرتبطة بالأحداث المسجلة 1,897 وفاة، استحوذت الغارات الجوية والهجمات بالطائرات المسيّرة على نحو 70.6% منها، بواقع 1,339 وفاة، تلتها الاشتباكات المسلحة والاعتداءات المباشرة.
بينما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة تسجيل 1,440 ضحية منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى نهاية سبتمبر 2026، بينهم 324 طفلًا و140 امرأة، وفق التوزيع الذي يوضحه الرسم البياني.
من البريج إلى بيت لاهيا.. حياة تحت تهديد الرصاص
في شرق مخيم البريج، يمتد الخطر الذي تصفه فائقة من المدارس أو الأسواق، إلى منزلها. فقد دفع القرب من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية أسرتها إلى تجنب الغرف الشرقية، التي تقول إنها الأكثر عرضة لإطلاق النار.
وتروي أنها لم تعد تستخدم غرفتها الواقعة على الجانب الشرقي للنوم، وتكتفي أحيانًا بالدخول لإحضار ملابسها من الخزانة، قبل الخروج لارتدائها في غرفة أخرى. كما توقفت الأسرة عن استخدام سطح المنزل منذ نحو ثلاث سنوات، ونقلت خزانات المياه إلى الأسفل، فيما بقيت ألواح الطاقة الشمسية على السطح، دون القدرة على الوصول إليها بأمان لإصلاحها إذا تعطلت.
وعندما تخرج فائقة إلى السوق، تسلك طرقًا التفافية بين البيوت والشوارع الفرعية، متجنبة الطريق الرئيسي الذي تقول إن الدبابات الإسرائيلية قد تظهر بالقرب منه. وخلال وجودها خارج المنزل، تتصل بأسرتها للاطمئنان على الوضع وتحديد طريق العودة أو تأجيلها حتى يتوقف إطلاق النار.
وفي بيت لاهيا شمال القطاع، تواجه أزهار طنبورة، مسؤولة المبادرات المجتمعية والشبابية في البلدية، مخاطر مشابهة أثناء عملها في إعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق التي عاد إليها السكان.
وتقول طنبورة لـ"أثر" إن عددًا من موظفي البلدية تعرضوا لإطلاق النار خلال أداء مهامهم، ما أدى إلى إصابة بعضهم. كما تعرضت آلية كانت تعمل على فتح شارع في منطقة مشروع بيت لاهيا لإطلاق نار من طائرة مسيّرة، وسط محاولات البلدية إعادة فتح الطرق وتوفير خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة.
ولا تنفصل هذه المخاطر عن حياتها الشخصية. فبعد تدمير منزل الأسرة خلال الحرب، عادت أزهار إلى أنقاضه، حيث سوّت الأسرة جزءًا من الركام وأقامت فوقه خيمة تبعد، وفق تقديرها، نحو 200 إلى 250 مترًا عن "الخط الأصفر".
وتقول إن الرصاص اخترق الخيمة مرات عديدة، ما دفع الأسرة إلى شراء أبواب معدنية مصفحة ووضعها حولها لحماية الأطفال من الرصاص الذي قد يصل إليهم أثناء نومهم.
ورغم اختلاف ظروف الإقامة، تتقاطع شهادتا فائقة وأزهار عند المسافة القريبة من الخط الأصفر، حيث تحاول الأولى حماية أسرتها بتجنب الغرف المواجهة للمواقع العسكرية، بينما تحتمي الثانية خلف أبواب معدنية تحيط بخيمة أقيمت فوق أنقاض منزلها.
لكن المسافة الفاصلة بين خيمة أزهار والخط لم تكن ثابتة، وفق روايتها. فعندما عادت الأسرة إلى بيت لاهيا، كان الخط يبعد نحو كيلومتر عن مكان إقامتها، قبل أن تبدأ علاماته بالاقتراب تدريجيًا من المناطق السكنية.
وتروي أن القوات الإسرائيلية طلبت من سكان إحدى المناطق إخلاء أماكن إقامتهم مؤقتًا بسبب عملية عسكرية، لكن الخيام تعرضت للحرق، وتحركت بعدها علامات الخط الأصفر، بحسب شهادتها. وتقول إن هذه التحركات قلّصت المساحات المتاحة للسكان، وأبقت منازل وأراضي زراعية خلف الخط أو بالقرب من مواقع الانتشار العسكري.
«الخط الأصفر».. انسحاب لم يكتمل وحدود تتحرك
لم يكن "الخط الأصفر" جزءًا من الحدود الجغرافية المعروفة لقطاع غزة قبل اتفاق أكتوبر 2025، وإنما ظهر ضمن ترتيبات إعادة انتشار القوات الإسرائيلية المنصوص عليها في مرحلته الأولى.
فقد نص الاتفاق على انسحاب القوات إلى خطوط متفق عليها وفق خريطة مرفقة، وتعليق العمليات العسكرية وعدم عودة القوات إلى المناطق التي انسحبت منها، ما دامت حركة حماس ملتزمة بالاتفاق. وكان من المفترض أن يمثل الخط وضعًا مؤقتًا تمهيدًا لمراحل لاحقة من الانسحاب.
لكن المرحلة الأولى لم تتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، إذ أبقت القوات في مناطق قُدرت بنحو 53% من مساحة القطاع، على أن تتبعها مراحل أخرى وفق ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بالخطة الأمريكية لإنهاء الحرب.
وفي 20 أكتوبر 2025، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء وضع علامات ميدانية لتحديد الخط، تتكون من حواجز خرسانية تعلوها أعمدة مطلية بالأصفر، بارتفاع يبلغ 3.5 أمتار، وتفصل بين العلامة والأخرى مسافة تقارب 200 متر، مع اختلافات تفرضها طبيعة الأرض.
غير أن شهادات السكان تشير إلى أن علامات "الخط الأصفر" لم تبقَ ثابتة في جميع المناطق. ففي حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، أفاد سكان تحدثوا إلى "أثر" بأن القوات الإسرائيلية حرّكت المكعبات الخرسانية التي تحدد الخط باتجاه المناطق السكنية في شرق قطاع غزة، لمسافة قدّرها الأهالي بنحو 300 متر حتى يوليو 2026، قرب شارع مشتهى، قبل أن تعاود تحريكها مرة أخرى في أكتوبر الجاري.
وبالقياس على خريطة تفاعلية نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، قدّرت معدّة التحقيق المسافة بين المسار الأصلي الظاهر على الخريطة والموقع الجديد للمكعبات، الذي حدده الأهالي، بنحو 414 مترًا باتجاه المناطق السكنية.

يقول سكان المنطقة إن الخطر يمتد إلى ما وراء المكعبات الصفراء، مع استمرار تحليق الطائرات المسيّرة وإطلاق النار، ما يجعل الوصول إلى بعض الشوارع والمنازل غير آمن، حتى خارج نطاق الانتشار العسكري المرسوم على الخرائط.
وتتسق إفادات السكان مع نتائج تحقيقات صحفية اعتمدت على صور الأقمار الصناعية وشهادات ميدانية. فقد أظهر تحقيق لوكالة رويترز، نُشر في 22 يناير 2026، تحريك العلامات الخرسانية الصفراء لمسافة تصل إلى نحو 200 متر داخل حي التفاح شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع هدم ما لا يقل عن 40 مبنى. كما وثّق تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، نُشر في 16 يناير 2026، نقل العلامات إلى عمق القطاع في ثلاث مناطق على الأقل.
وفي السياق نفسه، تكشف صور أقمار صناعية نشرها مشروع "Frames"، التابع لمؤسسة "Forensic Architecture" البحثية، عن تغيرات ميدانية بعد اتفاق أكتوبر 2025، شملت إنشاء مواقع عسكرية جديدة وتوسيع منشآت قائمة وإقامة سواتر وتحصينات وتجريف أراضٍ وهدم مبانٍ.

ويرى عاهد فروانة أن الخطين الأصفر والبرتقالي يمثلان أداة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسكاني في القطاع، من خلال توسيع السيطرة العسكرية وتقييد حركة الفلسطينيين ومنعهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم.
ويشير إلى أن المساحات الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية اتسعت تدريجيًا منذ وقف إطلاق النار، لتصل، وفق تقديره، إلى نحو 70% من مساحة غزة، ما أدى إلى حصر أكثر من مليوني فلسطيني في نطاق جغرافي ضيق باتجاه الشريط الساحلي.
ويحذر من أن عدم وضوح حدود هذه الخطوط وتغير مواقعها يزيدان المخاطر التي يواجهها السكان، إذ يتعرض من يقترب منها لإطلاق النار أو القصف، فيما تمتد الاستهدافات إلى مخيمات النزوح والمناطق السكنية المجاورة. ويخشى أن تتحول الحدود التي توصف بالمؤقتة إلى واقع دائم، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخلها.
والخط البرتقالي هو خط ترسيم وضعه جيش الإحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، يمتد إلى مناطق أبعد من "الخط الأصفر" باتجاه المناطق المأهولة بالسكان، ويحدد نطاقًا إضافيًّا تفرض فيه إسرائيل قيودًا على الحركة والوصول، بما في ذلك اشتراط التنسيق المسبق لتحركات المنظمات الإنسانية مع الجيش الإسرائيلي.
وأبلغت السلطات الإسرائيلية المنظمات الإنسانية بهذا الخط في 13 أكتوبر 2025. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أدت التوسعات اللاحقة للخط إلى خضوع نحو 64.9% من مساحة قطاع غزة لقيود مشددة وسيطرة إسرائيلية أكثر مباشرة، بحلول 23 يونيو 2026.
ويعد الفرق بين الخطين "الأصفر والبرتقالي"، أن الأول يشير إلى حدود انتشار القوات الإسرائيلية المنصوص عليها في ترتيبات وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بينما يمثل الثاني نطاقًا أوسع لقيود الوصول والحركة، خاصة بالنسبة إلى العمليات الإنسانية
في تقرير صدر في 24 سبتمبر 2026، أكد مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، أنهى العمليات القتالية واسعة النطاق، لكنه لم يوقف العنف في قطاع غزة. وأشار التقرير إلى استمرار الغارات الجوية والقصف والهجمات بالطائرات المسيّرة والعمليات البرية الإسرائيلية، مع تزايد أعداد الضحايا الفلسطينيين. كما أفاد بأن نحو ثلثي مساحة القطاع لا يزالان غير متاحين للسكان أو يخضعان لقيود شديدة على الوصول، ما يحصر المدنيين في مناطق مكتظة وغير آمنة.
بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، استمر سقوط الضحايا والمصابين في قطاع غزة. وبحسب التقرير الإحصائي الصادر عن وزارة الصحة في غزة في 8 أكتوبر 2026، ارتفع عدد الضحايا المسجلين منذ 11 أكتوبر 2025 إلى 1,471 ضحية، بزيادة قدرها 31 ضحية مقارنة بنهاية سبتمبر، فيما بلغ عدد الإصابات المسجلة 5,189 إصابة.
أراضٍ خلف الخط الأصفر.. مزارعون محرومون من حقولهم
امتدت آثار الانتشار العسكري من المناطق السكنية إلى الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها كثير من سكان بيت لاهيا في معيشتهم. وتقول أزهار طنبورة إن نحو 70% من الأراضي الزراعية في المدينة أصبحت تقع خلف الخط الأصفر، وفق تقديراتها، ما يمنع أصحابها من الوصول إليها واستئناف زراعتها.
وتقول طنبورة إن البلدية ساعدت في استصلاح نحو 50 دونمًا من الأراضي المتاحة، وبدأت إنتاج بعض المحاصيل الزراعية. ما ساهم في عودتها إلى الأسواق وانخفاض أسعارها، بعدما كانت ندرتها قد أثقلت كاهل السكان، لكن هذه الجهود تبقى محدودة أمام المساحات التي يتعذر الوصول إليها.
من جهته، يربط فروانة بين السيطرة العسكرية على الأراضي الزراعية وتراجع قدرة القطاع على إنتاج غذائه، موضحًا أن مناطق بيت لاهيا وبيت حانون والشجاعية والزيتون والتفاح وشرق خان يونس كانت تشكل جزءًا أساسيًا من السلة الغذائية لغزة.
ويرى أن استمرار تجريف الأراضي وتدمير المنشآت والبنية الأساسية يزيد صعوبة استعادة النشاط الزراعي، ويعمق اعتماد السكان على المساعدات، معتبرًا أن هذه الإجراءات تندرج، في تقديره، ضمن سياسة تهدف إلى جعل القطاع غير صالح للحياة ودفع سكانه إلى المغادرة.
الوصول إلى المدرسة.. طريق مهدد بالرصاص
لم يكن الوصول إلى المدارس أكثر أمانًا من الوصول إلى الأراضي الزراعية. ففي بيت لاهيا، تقول أزهار طنبورة إن الخوف من إطلاق النار دفع بعض الأسر إلى التردد في إرسال أطفالها إلى المدارس، خشية تعرضهم للخطر في الطريق أو داخل الفصول الدراسية.
وتروي طنبورة أن ابنتها ميرا، البالغة من العمر 12 عامًا، شهدت مقتل زميلتها ريتاج داخل مدرسة أبو عبيدة بعدما أصابها الرصاص، وفق روايتها. وتقول إن ابنتها عانت صعوبة في النوم لأيام بعد الحادثة، وإن آثار ما شاهدته امتدت إلى زملائها الذين فقدوا إحدى رفيقاتهم.
وفي محاولة لمساعدة الأطفال، شاركت طنبورة من خلال البلدية وبالتعاون مع مؤسسات أخرى في تنظيم نشاط ترفيهي تضمن عروضًا فنية وألعابًا وموسيقى. لكن بعض الأطفال انفجروا بالبكاء وهم يتذكرون زميلتهم، متسائلين كيف يمكنهم الفرح بعد موتها.
وتشير طنبورة إلى أن آثار الحرب باتت حاضرة حتى في ألعاب الأطفال، إذ أصبح بعضهم يقلد مشاهد حمل القتلى أو الانتظار للحصول على المساعدات الغذائية، بينما تحاول الأسر إعادة أبنائها إلى الدراسة واستعادة شيء من حياتهم المعتادة.
ولا تنفصل هذه الشهادة عن حصيلة أوسع للضحايا الأطفال في القطاع. ففي 6 أغسطس 2026، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" مقتل ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني خلال 300 يوم أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بمعدل طفل واحد يوميًا. وحذرت المنظمة من إصابة مئات الأطفال الآخرين، بعضهم بإصابات بالغة، في ظل استمرار العنف.
منازل تخترقها النيران والرصاص
وفي شرق مخيم البريج، تروي فائقة أن الرصاص اخترق منزلها في أكثر من واقعة. ففي إحداها، دخلت رصاصة عبر باب الصالون وارتطمت بالحائط قبل أن ترتد بالقرب من ابنتها، التي كانت تقف على مسافة لا تتجاوز نصف متر تقريبًا. وفي واقعة أخرى، اخترقت رصاصتان نافذة غرفة الأطفال وارتطمتا بالحائط، بينما كان ابنها قد خرج لتوه من الحمام ووقف بالقرب من باب الغرفة.
ومع تكرار إطلاق النار، تغيرت طريقة استخدام الأسرة لمنزلها. تقول فائقة إنهم يتجنبون الغرف الشرقية المواجهة لمواقع انتشار القوات الإسرائيلية، ولم يناموا فيها منذ ثلاث سنوات، فيما يقتصر دخولها على إحضار الأغراض والخروج سريعًا.
كما توقفوا عن استخدام سطح المنزل خشية التعرض لإطلاق النار، ويسارع الموجودون في الطوابق العليا إلى النزول عند بدء إطلاق النار، والابتعاد عن الجهتين الشرقية والشمالية. وعندما تذهب فائقة إلى السوق، تظل على اتصال بأسرتها لمعرفة ما إذا كان إطلاق النار قد بدأ، وتتصل مجددًا قبل العودة لتحديد الطريق الذي يمكنها سلوكه أو الانتظار لدى أقاربها حتى تهدأ الأوضاع.
ورغم ذلك، لا ترى أن مغادرة المنزل خيار متاح بسهولة، إذ يضم عدة عائلات، بينما يتطلب استئجار مساكن بديلة مبالغ لا تستطيع تحملها، وتعني العودة إلى الخيام مواجهة ظروف معيشية قاسية. لذلك تواصل الأسرة البقاء في منزلها رغم الخوف المستمر.
في بيان مشترك نُشر عبر موقع منظمة العفو الدولية في 9 أكتوبر 2026، قالت أكثر من 100 منظمة إن وقف إطلاق النار في غزة لم يتجاوز كونه اتفاقًا قائمًا بالاسم، في ظل استمرار مقتل الفلسطينيين وإصابتهم، والقيود المفروضة على دخول المساعدات والمعدات ومواد إعادة الإعمار. وأشارت المنظمات إلى مقتل أكثر من 1,400 فلسطيني، بينهم 327 طفلًا على الأقل، خلال العام الذي أعقب الاتفاق. كما أفادت بأن الجيش الإسرائيلي حرّك "الخط الأصفر" إلى داخل القطاع، متجاوزًا خط الانسحاب المحدد في الاتفاق، ما أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان وزيادة اكتظاظها.
استمرار القصف.. منظومة إسعاف مهددة بالتوقف
تمتد آثار استمرار العمليات العسكرية إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الإسعاف والطوارئ، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية نقصًا حادًا في المعدات والمركبات الصالحة للعمل.
ويصف فارس عفانة، مسؤول الإسعاف والطوارئ في شمال قطاع غزة، الوضع الصحي بأنه "مأساوي وكارثي للغاية"، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المعدات والمستلزمات الطبية ومركبات الإسعاف وقطع غيارها.
ويوضح في حديثه لـ"أثر" أنه عقب إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم تكن في شمال القطاع سوى نقطة طبية ومركبة إسعاف واحدة لنقل المرضى والمصابين إلى مستشفيات مدينة غزة، واستمر الوضع لأكثر من سبعة أشهر قبل إنشاء نقاط طبية ومستشفيات ميدانية إضافية، خففت الأزمة نسبيًا دون أن تلبي احتياجات السكان.
ويؤكد عفانة أن إعلان وقف إطلاق النار لم ينعكس على طبيعة عمل طواقم الإسعاف، التي لا تزال تتلقى أكثر من 250 نداء استغاثة يوميًّا، تشمل إصابات ناجمة عن إطلاق النار والقصف، خصوصًا في المناطق الشمالية والشرقية ومخيمات النازحين، إلى جانب الحالات المرضية والولادة، والاستجابة لاحتياجات الأطفال وكبار السن، ونقل المرضى بين المستشفيات.
وبحسب عفانة، دُمر أكثر من 80% من مركبات الإسعاف التابعة للمنظومة التي يتحدث عنها، بينما تعتمد الطواقم على مركبات متهالكة، ويتوقف نحو 5% من المركبات بسبب نقص قطع غيار بسيطة، مثل الإطارات والبطاريات.
ويضيف أن مركبات إسعاف أخرى لا تزال متوقفة على الجانب المصري منذ أكثر من عامين، دون السماح بإدخالها إلى غزة. ويحذر من أن استمرار هذه القيود قد يؤدي إلى توقف مزيد من المركبات، ما يهدد قدرة الطواقم على الاستجابة للطوارئ.
وتتركز الاستهدافات المتكررة، وفقًا لعفانة، في أحياء الشجاعية والتفاح والسنافور والدرج، ومخيم جباليا ومشروع بيت لاهيا، إلى جانب مخيم حلاوة الذي يضم، مع المناطق المحيطة به، أكثر من 15 ألف نسمة. ويوضح عفانة أن أجزاء واسعة من هذه المناطق تقع خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية، فيما تتركز التجمعات السكانية المتبقية في الأجزاء القريبة من الخط، داخل المنطقة التي يُشار إليها بـ"المنطقة البرتقالية"، حيث يتعرض السكان لمخاطر إطلاق النار والقصف المتكرر.
ويقول إن مخيم حلاوة يتعرض لإطلاق نار متكرر يسفر عن قتلى وجرحى، ما دفع الطواقم إلى تخصيص نقطة طوارئ ومركبة إسعاف تعملان على مدار الساعة. كما يشير إلى امتداد إطلاق النار من آليات ومواقع عسكرية إسرائيلية وطائرات «كوادكوبتر» إلى منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا.
ويلفت عفانة إلى اتساع نطاق إطلاق النار خلال الشهر السابق لشهادته ليشمل منطقتي التوام والكرامة شمال غربي مدينة غزة، بعد نصب رافعة عسكرية إسرائيلية قرب ساحل السودانية، بحسب روايته. ويستشهد بمقتل رجل مسن أثناء الصلاة في مسجد الفوز بمنطقة التوام، وإصابة شخصين آخرين قبل نحو أسبوعين من شهادته. ويؤكد أن الخطر لا يقتصر على المناطق الملاصقة للخط الأصفر، إذ تبعد بعض المناطق المستهدفة، وفق تقديره، نحو 700 متر أو أكثر عن السواتر العسكرية وخطوط التماس.
ولا تنجو طواقم الإسعاف نفسها من مخاطر الاستهداف، إذ تتعرض سيارات الإسعاف مرارًا لإطلاق النار من قِبل القوات الإسرائيلية أثناء نقل الضحايا أو محاولة إسعاف المصابين. ويربط عفانة بين تدهور منظومة الإسعاف وتزايد المخاطر على حياة المصابين، خصوصًا من يعانون نزيفًا حادًا ويحتاجون إلى تدخل عاجل. ويوضح أن تدمير الطرق وتهالك المركبات يؤديان إلى تأخر وصول الطواقم، وقد تتعطل سيارة الإسعاف أثناء نقل المصابين، ما يضطر المسعفين إلى تقديم الإسعافات الأولية داخلها حتى وصول مركبة بديلة. محذرًا من أن استمرار منع إدخال قطع الغيار والسيارات الجديدة يهدد قدرة المنظومة على إنقاذ المصابين والاستجابة للحالات الطارئة.
تعثر المرحلة الثانية.. عودة النازحين وإعادة الإعمار معلقتان
يرى عاهد فروانة أن استمرار العمليات العسكرية وتقييد حركة السكان وتأخر الإجلاء الطبي يرتبط بتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي يفترض، أن تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية وفتح المعابر وعودة النازحين والبدء بإعادة الإعمار.
ويحمّل فروانة الوسطاء والجهات الدولية جزءًا من مسؤولية استمرار الوضع الراهن، معتبرًا أن غياب ضغوط دولية فعلية يشجع إسرائيل على مواصلة عملياتها وعدم تنفيذ التعهدات المرتبطة بالاتفاق.
ويتهم إسرائيل باستخدام ملف سلاح الفصائل الفلسطينية ذريعة لتعطيل تنفيذ متطلبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي أُعلن بدء العمل بها في يناير 2026، وفي مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من "الخط الأصفر" والبدء بعملية إعادة إعمار قطاع غزة، وهي التزامات يقول إنها لم تُنفذ حتى الآن.
ويعتقد أن استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة من غزة يجعل عودة النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار أمرين بالغي الصعوبة. ويشير إلى أن القيود، بحسب إفادته، لا تقتصر على مشروعات الإعمار الكبرى، وإنما تمتد إلى إدخال الخيام والمواد اللازمة لترميم المنازل المتضررة، ما يحرم السكان من حلول مؤقتة قد تخفف معاناتهم.
فيما يدعو فروانة إلى توثيق الوقائع الميدانية والضحايا والخروقات، وإطلاع الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار على الظروف التي يعيشها السكان، معتبرًا أن الإعلان السياسي عن وقف الحرب لا يكفي ما دامت العمليات العسكرية مستمرة.
وفي ظل استمرار القصف وتراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بالأوضاع في قطاع غزة، أطلق ناشطون وصحفيون فلسطينيون، بمشاركة عاملين في المجال الإنساني ومتضامنين عرب وأجانب، حملة رقمية في 16 يوليو 2026 الماضي، تحت شعار «كذبوا عليكم» باللغتين العربية والإنجليزية. وسعت الحملة إلى إعادة تسليط الضوء على معاناة سكان القطاع، ومواجهة الانطباع بأن إعلان وقف إطلاق النار يعني انتهاء الإبادة التي يعيشها أهالي قطاع غزة وتوقف عمليات القصف.
متى تنتهي الحرب بالنسبة إلى سكان غزة؟
تقيس فائقة نجاح اتفاقية وقف إطلاق النار بقدرتها على العيش مع أسرتها دون خوف من إطلاق النار أو الاضطرار إلى مراقبة حركة الطائرات المسيّرة قبل مغادرة المنزل. ورغم ما تعيشه، لا ترفض أي مسعى لإنهاء الحرب. وتقول في شهادتها لـ"أثر": "إحنا زي الغريق اللي بيتعلق بقشة"، موضحة أن سكان غزة لم يعد لديهم ما يراهنون عليه سوى حياتهم وحياة أبنائهم، وأنها تتطلع إلى اتفاق يوقف نزيف الدم ويمنح الناس فرصة لاستعادة حياتهم.
وفي بيت لاهيا، لا تختلف مطالب أزهار طنبورة كثيرًا، إذ تؤكد أن إعلان وقف إطلاق النار لا يكفي ما دام السكان يخشون الذهاب إلى مدارسهم وأراضيهم، أو يتعرض العاملون في الخدمات الأساسية للخطر أثناء أداء مهامهم. فما ينتظره الأهالي هو القدرة على البقاء في منازلهم، وتوفير المياه لأطفالهم، والتنقل داخل مدينتهم دون خوف. أما فائقة، التي لا تزال تعيش مع أسرتها قرب "الخط الأصفر"، فلا تنتظر من الاتفاق أكثر من أن يتحول إلى واقع تستطيع أن تلمسه في منزلها وحيّها؛ أن يأتي يوم لا تضطر فيه إلى الاتصال بأسرتها قبل العودة من السوق، أو الابتعاد عن غرف منزلها خشية الرصاص، أو انتظار توقف إطلاق النار حتى يتمكن الأطفال من الوصول إلى مدارسهم.
وبين شرق البريج وبيت لاهيا، تتباعد المواقع الجغرافية، لكن شهادات السكان تلتقي عند السؤال نفسه: ماذا تغير في حياتهم بعد عام من الاتفاق؟





