يقرأ عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم الترشح لولاية رئاسية جديدة في عام 2030، باعتبارها إعلانًا بنهاية مرحلة سياسية بدأت في عام 2013، وتأسست، بحسب وصفه، على «شرعية التفويض» التي اكتسبها السيسي في سياق المواجهة مع التيار الإسلامي والاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد آنذاك. ويرى أن هذه الشرعية لن تكون متاحة لأي رئيس قادم، حتى لو جاء اختياره بتوافق داخل دوائر الحكم، ما يضع السلطة المقبلة أمام ضرورة البحث عن مصادر جديدة للشرعية وإعادة ترتيب علاقتها بمؤسسات الدولة والمجتمع.

وفي هذا الحوار مع «أثر»، يقدم عبد الرحمن قراءة للتحولات المحتملة في بنية الحكم المصري خلال السنوات المقبلة، معتبرًا أن إعلان السيسي يأتي في ظل تقدير داخل دوائر السلطة بأن الوضع الراهن لم يعد قابلًا للاستمرار، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية والخشية من انعكاس الأزمات المتراكمة على الشارع. ورغم تأكيده أنه لا يعرف على وجه اليقين الدوافع التي تقف وراء الإعلان، فإنه يرى فيه محاولة لاستباق الأزمات وتهيئة انتقال سياسي تسعى السلطة إلى هندسة ترتيباته واحتواء تداعياته.

ويناقش عبد الرحمن حدود هذه الهندسة، واحتمالات اختيار رئيس يحظى بقبول المؤسسات العسكرية والأمنية وشبكات الدعم الإقليمية، ودلالات التوسع في أدوار الأكاديمية العسكرية داخل مؤسسات الدولة. ويربط هذا التوجه بما يصفه بغياب الثقة في المدنيين وهيمنة الاعتبارات الأمنية على طريقة إدارة الحكم، معتبرًا أن المرحلة المقبلة تطرح أسئلة تتجاوز هوية الرئيس القادم إلى طبيعة السلطة نفسها والسياسات التي ستتبناها.

ولا يفصل عبد الرحمن مستقبل الحكم عن الملفات الاقتصادية والحقوقية العالقة؛ إذ يتساءل عن إمكانية استمرار السياسات القائمة على الاستدانة والاعتماد على الأموال الساخنة وتركيز الاستثمارات في العقارات والإنشاءات، وعن قدرة أي سلطة جديدة على بدء عهدها في ظل استمرار أزمة السجناء والمحبوسين على ذمة قضايا سياسية، وغياب المجالس المحلية المنتخبة، وتعطّل تفعيل عدد من الاستحقاقات الدستورية.

وفي الملف الحقوقي، يطرح إجراءات يراها ضرورية لمعالجة أزمة السجناء، تبدأ بالإفراج عمن تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي، ووقف إعادة تدوير المتهمين على قضايا جديدة، والإفراج عن المتهمين والمدانين في قضايا الرأي، وصولًا إلى مراجعة المحاكمات التي افتقرت إلى ضمانات العدالة. كما يتناول التضييق على الصحافة المستقلة واستدعاء الصحفيين وملاحقتهم، معتبرًا أن هذه الممارسات تعكس قلقًا أمنيًا من احتمالات الاحتجاج أو تصاعد المطالب الاجتماعية، في وقت يرى فيه أن السلطة لا تملك سوى أدوات القبض والإغلاق للتعامل مع الحراك المحتمل.

ويمتد الحوار إلى الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، التي يربطها عبد الرحمن بأزمة نموذج دولة الرفاه وتراجع المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تمتعت بها أجيال سابقة، متوقفًا عند تأثير هذه التحولات في الأجيال المصرية الشابة، الأكثر اطلاعًا على ما يجري خارج البلاد، والأقل ارتباطًا بالتجارب السياسية التي تشكلت حولها النخب التقليدية.

وفي مقابل محاولات السلطة ترتيب مرحلة ما بعد 2030، يدعو عبد الرحمن التيار المدني الديمقراطي إلى إعادة تعريف دوره، وألا يقتصر على خوض الاستحقاقات الانتخابية أو محاولة التوافق على مرشحين وقوائم موحدة. ويقترح أن تتحول الحركة المدنية إلى مساحة لإنتاج بدائل سياسية واقتصادية وحقوقية قابلة للنقاش المجتمعي، مع إشراك النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأجيال الجديدة في تصور مستقبل البلاد.

وبين أسئلة انتقال السلطة وأزمات الحاضر، يعود عبد الرحمن إلى السؤال الذي يعتبره الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى القوى المدنية والديمقراطية: «هم عملوا الخطوة دي وهيحاولوا يحتووا آثارها ويهندسوها.. إحنا نقدر نعمل إيه؟»