في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه نقابتا الصحفيين والمحامين، بما تمثلانه من دفاع عن حرية الرأي وسيادة القانون والحقوق، في مقدمة الصفوف للدفاع عن الفئات المهمشة والمستضعفة، وفي القلب منها النساء وحقوقهن، تكشف المواقف والأزمات المتكررة عن واقع مختلف داخل النقابتين.

وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تقدم فيه النقابتان نموذجًا لبيئة مهنية أكثر إنصافًا، تكشف شهادات محاميات وصحفيات عن أوجه متعددة من التمييز والتهميش، تمتد من ضعف تمثيل النساء في مواقع صنع القرار، إلى تفاوت فرص العمل والترقي والحصول على الخدمات والحقوق النقابية، وصولًا إلى التحرش وبعض أشكال العنف والضغوط المرتبطة بالحمل والأمومة.

ورغم اختلاف طبيعة المهنة في كل نقابة، فإن بعض هذه الأزمات يتقاطع بينهما، بما يطرح سؤالًا حول مدى قدرة المؤسسات التي يُفترض أن تدافع عن الحقوق والحريات على ضمان هذه الحقوق لعضواتها داخلها.

في شارع عبد الخالق ثروت، تتجاور نقابتا الصحفيين والمحامين، وتتجاور معهما حكايات النساء عن التمييز والعنف والتهميش؛ فما تعيشه النساء في المجتمع لا ينتهي عند أبوابه، لكنه يرافقهن إلى داخل المؤسسات المهنية نفسها.

لؤة خلف.. واقعة تعيد فتح ملف التمييز داخل نقابة المحامين

جاءت أزمة المحامية لؤة خلف، التي أصدرت نقابة المحامين الفرعية بمحافظة سوهاج قرارًا بوقفها احتياطيًا عن مزاولة المهنة في 11 يونيو الماضي، لتعيد فتح النقاش حول ما تواجهه المحاميات داخل المؤسسات المهنية، وما إذا كانت بعض الممارسات النقابية قد تحمل أوجهًا من التمييز المرتبط بالنوع الاجتماعي أو المظهر الشخصي.

وقالت المحامية لؤة خلف، في منشور لها عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، إن قرار وقفها ارتبط بعدم ارتدائها الحجاب، واعتبرت أن ما تعرضت له يندرج ضمن محاولات وصفتها بـ«محاكم التفتيش» تحت ستار الانضباط.

وتدعم رواية لؤة خلف، بحسب محامٍ حضر التحقيق معها وفضّل عدم ذكر اسمه، ما اطلع عليه من تفاصيل التحقيق، مشيرًا إلى أن مسألة ارتداء الحجاب كانت من بين الأسباب الرئيسية وراء الأزمة.

في المقابل، نفت نقابة المحامين الفرعية بسوهاج صحة ربط القرار بالحجاب، موضحة في بيان رسمي أن الوقف جاء لحين الفصل النهائي في الدعوى التأديبية المقامة ضد المحامية. وأرجعت النقابة القرار إلى ما وصفته بـ"ممارسات المحامية عبر صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي"، إلى جانب ارتكابها، بحسب البيان، مخالفات لنصوص قانون المحاماة وأعراف المهنة.

وأوضح أيمن خلف، وكيل النقابة، في تصريحات صحفية سابقة، أن القرار استند إلى شكوى رسمية تقدم بها عدد من المحامين، تضمنت عدة مخالفات لسلوكيات ممارسة العمل النقابي والمهني، أبرزها إعلان المحامية عبر صفحتها الشخصية عن افتتاح مكتب محاماة خاص بها، وهو ما يخالف القواعد المنظمة لعمل المحامين الجدد تحت التمرين، مشيرًا إلى أن القرار صدر بعد نحو 35 يومًا فقط من قيدها بجدول النقابة في 5 مايو الماضي.

لكن هذه الواقعة، على اختلاف الروايتين حولها، لا تبدو معزولة عن أزمات أوسع تواجهها المحاميات داخل المهنة والنقابة، وفق شهادات محاميات تحدثن لـ«أثر».

للرجال فقط داخل نقابة المحامين

من جانبها، ترى عزيزة الطويل، المحامية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الصعوبات التي تواجهها المحاميات لا يمكن فصلها عن التحديات الأوسع التي تواجه النساء العاملات، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية ومظاهر التمييز التي لا تزال حاضرة في سوق العمل، إلى جانب تحديات ترتبط بطبيعة مهنة المحاماة وبنية العمل النقابي.

وتوضح في حديثا لـ«أثر» أن بعض صور التمييز تظهر في عدم تمتع المحاميات بالمزايا نفسها التي يحصل عليها زملاؤهن الرجال، مستشهدة بنظام الرعاية الصحية في نقابة المحامين، الذي يسمح للمحامي بضم زوجته إلى منظومة الرعاية الصحية، بينما لا تتمتع المحامية المتزوجة، بحسب قولها، بالحق نفسه في ضم زوجها، رغم مساهمتها المالية في النظام ذاته.

وترى أن هذه الممارسات لا تقتصر على النقابة العامة، وإنما تظهر بصورة أكبر، بحسب وصفها، داخل النقابات الفرعية، حيث تواجه المحاميات تفاوتًا في الحصول على بعض الخدمات والفرص. وتضيف أن النقابة لا تزال، من وجهة نظرها، لا تتعامل مع احتياجات النساء باعتبارهن جزءًا أساسيًا من منظومة العدالة، رغم وجودهن في مكاتب المحاماة وأروقة المحاكم.

تشير عزيزة كذلك إلى ما تعتبره نقصًا في المرافق الأساسية المخصصة للنساء داخل مقر النقابة العامة، قائلة إن «عدم وجود حمام مخصص للسيدات في المقر الرئيسي للنقابة أمر مهين، ويكشف عن عدم وضع احتياجات النساء ضمن أولويات المؤسسة». وأضافت أن وجود ستار مؤقت بدلًا من مكان مجهز لا يوفر، بحسب قولها، الحد الأدنى من الخصوصية والأمان للعضوات والزائرات.

تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 تفاوتًا في أعداد أعضاء النقابات المهنية؛ إذ جاءت نقابة المحامين في المرتبة الرابعة بإجمالي 376,268 عضوًا، بينهم 148,026 محامية بنسبة 39.3%، مقابل 228,242 محاميًا.

وفي نقابة الصحفيين، بلغ إجمالي الأعضاء 11,922 عضوًا، بينهم 4,092 صحفية بنسبة 34.3%، مقابل 7,830 صحفيًا، لتحتل النقابة المرتبة الثانية عشرة من حيث عدد الأعضاء. وتُظهر الأرقام أن النساء يشكلن نحو 40% من أعضاء نقابة المحامين، وأكثر من ثلث أعضاء نقابة الصحفيين.

من النقابة إلى سوق العمل.. أشكال أخرى من التمييز والتنميط

في السياق ذاته، ترى المحامية آية حمدي أن الحديث عن التمييز ضد المحاميات مشكلة ممتدة داخل المهنة منذ دخول النساء مجال المحاماة. وتشير، في حديثها لـ«أثر»، إلى ممارسات تمييزية تواجهها المحاميات داخل سوق العمل ومؤسسات المهنة.

وتقول في حديثها لـ«أثر» إن التمييز يبدأ منذ المراحل الأولى للعمل بالمحاماة، بدايةً من تفاوت الأجور بين المحامين والمحاميات، مرورًا بعدم تكافؤ فرص العمل والتدرج الوظيفي داخل مكاتب المحاماة. وتضيف أن بعض المحاميات يواجهن صعوبة في الوصول إلى مواقع قيادية داخل المكاتب، مثل مدير مكتب أو مساعد مدير مكتب، بسبب تصورات نمطية تفترض أن الرجال أكثر قدرة على تحمل مسؤوليات هذه المواقع.

وتشير إلى أن بعض المحاميات يُحرمن كذلك من فرص تتطلب السفر أو الانتقال خارج محافظاتهن لإنجاز مهام مهنية، تحت مبررات مرتبطة بكونهن نساء، رغم أن هذه المهام قد توفر لهن مكاسب مادية وخبرات مهنية تساعدهن على التطور في عملهن.

وتوضح أن بعض أصحاب العمل يبررون منح المحاميات أجورًا أقل باعتبارات تتعلق بافتراض أنهن لا يتحملن مسؤوليات مالية مثل الرجال، أو أن ظروف حياتهن مختلفة، معتبرةً أن معيار التقييم ينبغي أن يكون الكفاءة وطبيعة العمل، لا النوع الاجتماعي.

ولا يقتصر التمييز، بحسب آية، على الأجر والترقي، وإنما يمتد إلى طبيعة القضايا التي تُسند إلى المحاميات داخل بعض مكاتب المحاماة. إذ ترى أن هناك تصورًا لدى بعض أصحاب المكاتب بأن النساء أكثر ملاءمة لقضايا الأسرة أو الأعمال الإدارية، بينما تُسند القضايا الجنائية وأعمال المرافعات بدرجة أكبر إلى الرجال، باعتبارهم "أقدر" على التعامل معها. وترى أن هذا التوزيع يحرم المحاميات من اكتساب خبرات متنوعة، ويحد من فرص تطورهن المهني.

وترى أن بعض صور التمييز تمتد إلى الخدمات والأنشطة التي تقدمها النقابات المهنية، مشيرةً إلى أن كثيرًا من الأنشطة النقابية، سواء الرياضية أو الثقافية أو الاجتماعية، تُنظم، بحسب قولها، بصورة يغلب عليها الطابع الموجه للرجال، مثل الدورات الرياضية والأنشطة داخل الأندية، في حين لا تحظى المحاميات بمساحات مماثلة للمشاركة.

وتضيف أن بعض الخدمات النقابية لا تراعي احتياجات النساء، مستشهدةً بمعارض الملابس المهنية، التي تقول إنها غالبًا ما تكون موجهة إلى المحامين الرجال، رغم وجود انتقادات متكررة لملابس بعض المحاميات، من دون توفير بدائل أو دعم مماثل يساعدهن على الالتزام بالزي المهني.

وتشير كذلك إلى ما تعتبره تمييزًا في نظام الرعاية الصحية داخل النقابة، موضحةً أن المحامي الرجل يستطيع إضافة زوجته وأولاده إلى بطاقة العلاج، بينما لا تتمتع المحامية، بحسب قولها، بالحق نفسه في إضافة زوجها.

وترى أن المشكلة لا تقتصر على المؤسسات المهنية، وإنما تمتد إلى النظرة المجتمعية لعمل النساء في المحاماة، إذ لا يزال هناك، بحسب قولها، تصور بأن المحامي الرجل أكثر كفاءة أو قدرة من المحامية. وتقول إن هذه النظرة تؤثر في فرص النساء في بناء السمعة المهنية، والانتشار، والحصول على فرص عمل أفضل. وتشير إلى أن هذا النمط يظهر بصورة واضحة، من وجهة نظرها، في مكاتب المحاماة الكبرى والدولية، حيث تقل أعداد النساء في المناصب القيادية، معتبرة أن ذلك لا يرتبط بنقص الكفاءة، وإنما بتراكم ممارسات تمييزية تبدأ منذ حصول المحامية على شهادة القانون ودخولها سوق العمل، وتستمر خلال مراحل التطور المهني وتحقيق الدخل.

وتؤكد آية أن مواجهة هذا التمييز تتطلب مراجعة شاملة للثقافة المهنية داخل مهنة المحاماة والنقابات، بما يضمن للمحاميات فرصًا متساوية في التدريب والعمل والترقي والمشاركة في العمل النقابي.

في ديسمبر 2018، نشرت مؤسسة «نظرة للدراسات النسوية» دراسة بعنوان «للمحاميات أيضًا الحق في العدالة»، تناولت خلالها عددًا من التحديات التي تواجه المحاميات أثناء ممارسة عملهن. ولفتت الدراسة إلى أن مخاطر العنف الجنسي، سواء وقوعها فعليًا أو الخشية من التعرض لها، تؤثر في اختيارات بعض المحاميات المهنية، إذ تفضل بعضهن الاكتفاء بالأعمال المكتبية أو تجنب العمل في نيابات ودوائر قضائية بعينها، بسبب ما يرتبط بمواقعها الجغرافية من مخاوف تتعلق بالأمان والاستقرار.

وبحسب الدراسة، لا تقف آثار هذه المخاوف عند حدود اختيار مكان العمل، وإنما تمتد إلى المسار المهني للمحاميات، من خلال الحد من فرص اكتساب الخبرات المتنوعة والتطور المهني والحضور في المجال العام. كما رصدت الدراسة وقائع استغلال وتحرش جنسي داخل بيئة العمل، خاصة بحق المحاميات المتدربات، معتبرةً أن هذه الممارسات تؤثر كذلك في انخراط النساء في النشاط النقابي، وتحد من فرص مشاركتهن وترشحهن للمناصب النقابية.

وتناولت الدراسة واقعة تعرضت لها المحامية هدى عبد الوهاب في مارس 2017، حيث أشارت المؤسسة - في دراستها - إلى أن عبدالوهاب تعرضت لتحرش لفظي واعتداء بالضرب من أحد أعضاء مجلس نقابة المحامين، أثناء وجودها في مقر النقابة لإنهاء إجراءات مرتبطة بتجديد بطاقة عضويتها.

ووفقًا لما أوردته الدراسة، تقدمت عبد الوهاب ببلاغ رسمي ضد عضو المجلس، وطالبت النقيب ومجلس النقابة باتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه، إلا أن المؤسسة قالت إن ذلك لم يسفر عن اتخاذ إجراءات تأديبية بحقه.

ورصدت الدراسة كذلك جانبًا آخر من أوجه عدم المساواة داخل النقابة، يتعلق بالخدمات والمزايا النقابية، إذ أشارت إلى عدم تمتع المحاميات، في ذلك الوقت، بالحق نفسه الذي يتمتع به المحامون الرجال في إضافة ذويهم إلى بعض الخدمات المرتبطة بالبطاقة العلاجية والمعاش، وهو ما اعتبرته الدراسة تمييزًا في الحقوق والواجبات بين أعضاء النقابة.

تأسست نقابة المحامين المصرية في سياق نشأة الحركة النقابية والمهنية في مصر؛ إذ سبقتها عدة كيانات مهنية للمحامين، من بينها نقابة للمحامين المصريين أمام المحاكم المختلطة، وأخرى للمحامين المصريين أمام المحاكم الشرعية، ثم نقابة المحامين المصريين أمام المحاكم الأهلية/الوطنية، التي تأسست في 30 سبتمبر 1912، ومنها تطورت النقابة بصورتها الحالية.

وانضمت النساء المصريات إلى مهنة المحاماة في وقت مبكر، ومن بين الرائدات نعيمة إلياس الأيوبي ومفيدة عبد الرحمن، التي التحقت بنقابة المحامين عقب تخرجها، وأصبحت أول محامية تُقيّد أمام محكمة النقض، كما كانت أول سيدة تنضم إلى لجان تعديل القوانين، وأول محامية في العالم العربي تترافع أمام المحاكم العسكرية.

لكن حضور النساء داخل مجلس نقابة المحامين ظل محدودًا للغاية مقارنة بتاريخ النقابة الممتد لأكثر من قرن. وخلال الفترة من تأسيس النقابة عام 1912 وحتى عام 2018، لم تصل إلى عضوية المجلس سوى أربع محاميات، هن زينب الجويني، تهاني الجبالي، وبشرى عصفور، وفاطمة الزهراء غنيم. وبذلك ظل وصول المحاميات إلى مجلس النقابة طوال عقود حضورًا استثنائيًا محدودًا، لا يتناسب مع اتساع مشاركة النساء في مهنة المحاماة.

تهاني الجبالي
تهاني الجبالي عضو مجلس نقابة المحاميين لدورتين وأول محامية تنتخب بـ «المحامين العرب»

أزمات النساء من نقابة المحامين إلى الصحفيين

ولا تقتصر الأزمات التي تواجهها النساء على نقابة المحامين، بل تمتد أيضًا إلى نقابة الصحفيين، جارتها في شارع عبدالخالق ثروت، حيث تكشف شهادات صحفيات عن أوجه متشابهة من التمييز والتهميش والعنف داخل النقابة وبيئة العمل، على نحو لا يختلف كثيرًا عما ترويه المحاميات.

في هذا الإطار، توضح الكاتبة الصحفية منى عزت، عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين ورئيسة مجلس أمناء جمعية «نون للأسرة»، أن نقابة الصحفيين، رغم طبيعتها كنقابة للرأي والفكر والثقافة، لم تكن بمنأى عن تأثير الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع. وتوضح أن العاملين في المهنة ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وثقافية وجغرافية متنوعة، ويحمل بعضهم تصورات تقليدية تجاه أدوار النساء، وهو ما يظهر، بحسب قولها، في صور مختلفة من التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويمتد التمييز، بحسب منى، إلى المؤسسات الصحفية نفسها، حيث ارتبطت بعض التخصصات تاريخيًا بالرجال، مثل العمل في "الديسك" و"التغطية الرياضية"، بينما حُصرت صحفيات في ملفات المرأة والطفل والقضايا الاجتماعية. وترى أن هذا التقسيم يحد من فرص الصحفيات في العمل بمختلف التخصصات ويكرس صورًا نمطية حول ما يناسب النساء وما يناسب الرجال.

توضح الكاتبة الصحفية في حديثها لـ«أثر» أن قضايا المرأة والأسرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة عن بقية مجالات الصحافة، لأنها تتقاطع مع السياسة والاقتصاد والحوادث والتحقيقات وغيرها من مجالات العمل الصحفي. وتنتقد محدودية الدور الذي لعبته النقابة في مواجهة هذه الأنماط خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن مطالب سابقة بإقرار كوتا للنساء داخل مجلس النقابة أو إعادة النظر في توزيع التخصصات الصحفية قوبلت أحيانًا بالرفض والانتقاد، ليس فقط من بعض الصحفيين، وإنما أيضًا من بعض الصحفيات اللاتي تبنين الموقف الرافض لهذه المطالب.

وترى منى أن السنوات الأخيرة شهدت بعض التحركات الإيجابية، خاصة خلال المؤتمر العام السادس للصحفيين، مع اتساع النقاش حول دمج منظور النوع الاجتماعي في العمل النقابي، وإعداد مدونات للسلوك المهني، إلى جانب العمل على تطوير ميثاق الشرف الصحفي بما يتضمن بنودًا تتعلق بمناهضة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي. لكنها شددت على أن هذه الخطوات لا تزال في مراحلها الأولى ولم تتحول بعد إلى سياسات ملزمة داخل المؤسسات الصحفية.

وتشير إلى أن الحقوق المرتبطة بالدور الإنجابي للصحفيات ظلت لسنوات طويلة من الملفات المسكوت عنها، موضحة أن بعض الصحفيات كن يتجنبن الإفصاح عن حملهن خوفًا من فقدان وظائفهن أو تأثر مسارهن المهني، خصوصًا في المؤسسات التي تعتمد على التعاقدات المؤقتة.

وتضيف الكاتبة الصحفية أن كثيرًا من الصحفيات لم يحصلن على حقوقهن الكاملة في إجازات رعاية الطفل، خشية التعرض لعقوبات مهنية أو الاستبعاد من فرص العمل، معتبرة أن ذلك يمثل، من وجهة نظرها، شكلًا من أشكال العنف النفسي والاقتصادي، إذ تتحمل المرأة تبعات مهنية بسبب الحمل والأمومة.

كما تؤكد أن الصحفيات يتحملن أعباء مضاعفة مقارنة بزملائهن الرجال؛ فالعمل الصحفي يتطلب ساعات عمل غير منتظمة، والتنقل والسفر واللقاءات مع المصادر، إلى جانب تطوير المهارات والقراءة المستمرة، بينما تتحمل كثير من الصحفيات في الوقت نفسه مسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي، دون أن تحظى هذه الأعباء بالتقدير الكافي داخل المؤسسات الصحفية.

من التمييز إلى التحرش.. ما تواجهه الصحفيات في بيئة العمل

وفيما يتعلق بالعنف والتحرش داخل بيئة العمل، توضح منى عزت، عضو الجمعية العمومية، أن القضية ظلت لسنوات طويلة من الملفات المسكوت عنها، قبل أن تسهم جهود المؤسسات النسوية والناشطات وحملات كسر الصمت في تشجيع عدد أكبر من الصحفيات على الإبلاغ عن الانتهاكات التي تعرضن لها.

كما توضح أن إثبات وقائع التحرش داخل المؤسسات الصحفية يظل من أصعب التحديات، بسبب غياب الأدلة المباشرة في كثير من الحالات، فضلًا عن تعرض بعض الضحايا لضغوط أو تهديدات، أو مواجهة التشكيك من زملاء وزميلات يتبنون الأفكار الذكورية السائدة، وهو ما قد يدفع بعض النساء إلى عدم تقديم شكاوى.

وتشير إلى أن بعض الصحفيات اللاتي يبلغن عن وقائع تحرش قد يواجهن محاولات للتشكيك في رواياتهن أو تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له، معتبرة أن هذا الخطاب يجسّد استمرار الثقافة الذكورية داخل الوسط الصحفي، وليس خارجه فقط.

وترى منى أن النظرة التقليدية لدور المرأة تؤثر كذلك في تعامل بعض الزملاء مع الصحفيات، إذ لا يزال البعض ينظر بريبة إلى طبيعة العمل الصحفي التي تتطلب السهر والسفر واللقاءات مع المصادر، إلى جانب كتابة الرأي والعمل في ملفات السياسة والاقتصاد، باعتبارها أدوارًا ارتبطت تاريخيًا بالرجال.

وتؤكد في حديثها أن الصحفيات ما زلن يواجهن صورًا متعددة من التمييز والتنميط والعنف داخل بيئة العمل، مشيرة إلى أن النقابة بدأت خلال العامين الأخيرين اتخاذ بعض الخطوات لفتح النقاش حول هذه القضايا، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا في ظل غياب سياسات ملزمة وواضحة تضمن للمؤسسات الصحفية بيئة عمل آمنة وخالية من التمييز والعنف.

رصد تقرير نشره موقع "نقابة ميتر" بعنوان "الصحفيات.. نضال مستمر من أجل العدالة الجندرية داخل النقابة والمؤسسات الصحفية"، أنه في السنوات الأخيرة، تصاعدت تحركات الصحفيات داخل نقابة الصحفيين وخارجها لمواجهة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي في المؤسسات الصحفية، بعدما انتقلت شهادات عن الانتهاكات من نطاق الحديث الخاص إلى حملات ومبادرات علنية سلطت الضوء على بيئة عمل لا تزال تواجه فيها النساء تحديات، سواء داخل غرف الأخبار أو خلال التغطيات الميدانية.

ويأتي هذا الحراك في ظل محدودية تاريخية لتمثيل الصحفيات في مجلس النقابة؛ فمنذ تأسيسها في العام 1941، لم تصل إلى عضوية المجلس سوى إحدى عشرة صحفية، كانت آخرهن دعاء النجار، التي انتُخبت في انتخابات التجديد النصفي عام 2021، قبل أن تنجح الصحفية إيمان عوف في انتخابات التجديد النصفي عام 2025، لتصبح الصحفية الحادية عشرة التي تصل إلى عضوية مجلس نقابة الصحفيين.

ويوضح التقرير أنه رغم هذا التمثيل المحدود، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات وتحركات تقودها صحفيات من داخل النقابة وخارجها، للمطالبة بتحسين بيئة العمل وضمان تمثيل نقابي أكثر تعبيرًا عن احتياجات الصحفيات وتحدياتهن.

أمينة السعيد
أمينة السعيد، أول رئيسة تحرير وعضو مؤسس لنقابة الصحفيين

النساء في مجالس نقابتي الصحفيين والمحامين.. تمثيل ضعيف أو معدوم

تحدثت المحامية عزيزة الطويل عن ضعف تمثيل النساء داخل مجالس نقابة المحامين، معتبرةً أن ذلك يمثل أحد أوجه التمييز التي تواجهها المحاميات في العمل النقابي. وقالت: "هناك ممارسات تمييزية أخرى، منها ضعف تمثيل النساء داخل مجالس النقابة، وعدم وجود اهتمام حقيقي ببناء كوادر نسائية قادرة على المشاركة في العمل النقابي. كما أن لجنة المرأة في النقابة لم تكن على مدار السنوات الماضية سوى إطار شكلي في كثير من الأحيان، ولم تعبر بشكل حقيقي عن قضايا المحاميات داخل الجمعية العمومية أو المجلس".

وتنتقد في حديثها لـ«أثر» طريقة تعامل النقابة مع قضايا النساء، معتبرةً أن الاهتمام بالمحاميات غالبًا ما يتزايد خلال الفترات الانتخابية، بينما تغيب الإجراءات والسياسات التي تضمن لهن بيئة عمل آمنة وعادلة بصورة مستمرة. وترى أن على النقابة مسؤولية في توفير بيئة آمنة للمحاميات داخل مكاتب المحاماة وأروقة المحاكم، وضمان حصولهن على فرص عادلة للعمل، وأجور مناسبة، وحمايتهن من أي مضايقات أو تمييز.

وتؤكد أن دور النقابة يجب أن يتركز على معالجة المشكلات التي تواجه أعضاءها وعضواتها، ووضع سياسات واضحة تضمن المساواة والحماية داخل بيئة العمل، بدلًا من إنتاج خطابات تحمل وصاية على النساء أو تتجاهل التحديات المهنية والاقتصادية التي يواجهنها.

وتتفق المحامية آية حمدي مع الطويل في أن المحاميات يواجهن عقبات تتعلق بالتمثيل والمشاركة في الهياكل النقابية، إلى جانب ضعف الاهتمام بقضايا النساء داخل النقابة، مشيرة إلى أن مظاهر التمييز لا تتوقف عند العمل النقابي، وإنما تمتد إلى بيئة العمل نفسها، بدءًا من الأجور وفرص الترقي، وصولًا إلى نوعية القضايا والمهام التي تُسند إلى المحاميات.

وتتكرر الصورة نفسها تقريبًا داخل نقابة الصحفيين. فترى منى عزت أن أحد أبرز مظاهر ذلك يتمثل في ضعف تمثيل النساء داخل مواقع صنع القرار في النقابة، مشيرة إلى أن عدد الصحفيات اللاتي وصلن إلى مجلس النقابة ظل محدودًا منذ تأسيسها، بينما غاب التمثيل النسائي تمامًا في بعض الدورات، وهو ما اعتبرته مؤشرًا على استمرار الفجوة في مشاركة النساء في إدارة الشأن النقابي.

أنفوجراف: تمثيل النساء في مجلسي المحامين والصحفيين
تمثيل النساء في مجلسي المحامين والصحفيين

تشير ورقة «نحو تمثيل عادل للنساء في مجلس نقابة الصحفيين» الصادرة عن المركز الإقليمي للحقوق والحريات إلى أن حضور النساء داخل مجالس النقابة ظل محدودًا ومتقطعًا؛ إذ شهد تاريخ النقابة 15 مجلسًا دون أي تمثيل نسائي، بينما تراوحت نسبة تمثيل النساء في المجالس التي شهدت وجودًا نسائيًا بين 7% و23% فقط. وترى الورقة أن هذا التمثيل لا يتناسب مع نسبة الصحفيات داخل الجمعية العمومية، مرجعةً جانبًا من التراجع إلى صعوبة حصول النساء على عضوية النقابة، إلى جانب تأثير الثقافة الذكورية التي تمتد من المجتمع إلى بيئة العمل الصحفي وتؤثر في فرص النساء في الوصول إلى مواقع صنع القرار.

وترصد الورقة عددًا من العوامل التي ساهمت في استمرار ضعف تمثيل النساء داخل مجلس نقابة الصحفيين، من بينها تأثير الثقافة المجتمعية والصور النمطية المرتبطة بدور المرأة، والتي تنتقل إلى المجال المهني والعمل النقابي، فضلًا عن صعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات النشاط النقابي، الذي يحتاج إلى حضور مستمر ومشاركة في الاجتماعات والفعاليات والانتخابات. كما تشير إلى أن ضعف مشاركة الصحفيات في العمل النقابي لا يرتبط فقط بعدم ترشحهن، وإنما أيضًا بوجود عوائق أمام وصولهن إلى مواقع القيادة، إلى جانب غياب سياسات واضحة داخل النقابة تضمن تمثيلًا أكثر عدالة للنساء.

تكشف الشهادات والأوراق البحثية التي تناولها التقرير أن أزمات النساء في نقابتي المحامين والصحفيين لا تقتصر على التمثيل المحدود داخل مجالس النقابات وحسب، وإنما تمتد إلى بيئة العمل والخدمات النقابية وفرص الترقي والمشاركة في صنع القرار، فضلًا عن التحرش والعنف والضغوط المرتبطة بالحمل والأمومة. وبينما تمثل النساء نحو 39.3% من أعضاء نقابة المحامين و34.3% من أعضاء نقابة الصحفيين، لا يوازي هذا الحضور العددي تمثيلًا مماثلًا في مواقع القيادة النقابية.

وتكشف الشهادات التي رصدها التقرير أن معالجة هذه الفجوة تتطلب وضع سياسات واضحة وملزمة، إلى جانب إرادة حقيقية تكفل المساواة وتحمي النساء من التمييز والعنف، وتضمن أن تكون النقابات نفسها نموذجًا للبيئة المهنية التي تدافع عن حقوق أعضائها.