عاشت سلمى تجربة زواج صعبة تعرضت فيها للعنف والضرب من زوجها، وهو ما استمر أيضا أثناء حملها لتصاب بنزيف مُنذر بالإجهاض، تجاوزته وجنينها بسلام، لكن ذلك لم يكن كافيا لردع الزوج ووقفه عن ممارسة العنف بدعوى أنه "عصبي"؛ فقررت أن تطلب الطلاق لتُفاجأ بأن مطلبها زاد الزوج عنفا، مهددا إياها وطفليهما بالقتل.
وتتعرض 31% من النساء المتزوجات حاليا والسابق لهن الزواج للعنف على يد أزواجهن، بحسب بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أغسطس 2022.
"حاول قتلي.. وعانيت العنف زوجة ومطلقة"
تقول سلمى إنها لا تتذكر أي مشكلة كبيرة عرّضتها للضرب، إذ ضُربت مرة لأنها سكبت دون قصد نقاطا من الشوربة على السجادة، وهو ما أثار استياء الزوج فضربها بعنف، وفي مرة أخرى لأن طفلتها الرضيعة كانت تبكي بينما تطهو طعامه.
رفعت سلمى دعوى خلع لتتخلص بسرعة من تعنيفه وسطوته، لكنه تهجم عليها عدة مرات في مقر عملها، وفي بيت شقيقتها حيث انتقلت بعد مغادرتها المنزل، موضحة أنه كان يأتي محاولا إقناعها بالتراجع عن دعوى الخلع، وما أن ترفض حتى يتعدى عليها ويهددها بالقتل، ولم تتوقف اعتداءاته رغم حصولها على الطلاق.
وفي ذلك اليوم الذي انتقلت فيه إلى شقة مؤجرة على أطراف القاهرة، بعيدا عن محيطه، استيقظت في السادسة صباحا على طرقات عنيفة على الباب الحديدي للعمارة وسباب وخوض في عرضها، وحين فتحت الباب جذبها من شعرها وأشهر مطواة مهددا إياها بالقتل بينما الصغار مرتعبون يصرخون.
تمكن الجيران من السيطرة عليه وإبعاده، لكنه مضى وهو يتوعدها بأن تنجح محاولة قتلها في المرة المقبلة.. ورغم حصولها على الطلاق، لم تنم سلمى بأمان إلا عندما غادرت مع عقد عمل إلى بلد آخر، تاركة طفليها في رعاية شقيقتها، على أمل أن تتمكن من ترتيب حياة لهما بعيدا عن الرجل الذي عنّفها زوجا وطليقا.
وتُعرّف دراسة بعنوان "إساءة المعاملة بعد الانفصال: تحليل مفاهيمي" الإساءة بعد الانفصال بأنها النمط المستمر والمتعمد لترهيب الشريك السابق، بما في ذلك الإساءة القانونية والاقتصادية، والتهديدات، وتشويه السمعة، والمضايقة، والمطاردة، وتعريض الأطفال للخطر والعزلة، ما يُسبب شعور الضحايا بالخوف والترهيب. وتشير الدراسة إلى أن عواقب ممارسة هذا النوع من العنف تصل إلى حد الوفاة.
"احتُجز ابني المصاب بالتوحد"
كانت مي واحدة من اللاتي يعانين عنف شركاء سابقين في ظل دعوى خلع ما زالت منظورة أمام القضاء. تزوجت مي وعاشت مع زوجها في دولة أخرى حيث يعمل، لكن إيذاءه المستمر دفعها لطلب الانفصال، ليمارس ضدها وضد ابنهما أذى أكبر، وعندما طلبت العودة إلى مصر في إجازة، أصر على احتجاز ابنهما الذي يُظهر "سمات توحد".
تقول مي: "ابني محتاج لي وأنا كمان محتاجاه.. ده كان أكبر أذى نفسي لينا، ومنعني فعلا آخد ابني ولحد دلوقتي واخده في الدولة إللي هو فيها، وطبعا محروم من كل الجلسات التأهيلية والرعاية اللي بيحتاجها الأطفال في سنه وحالته".
حينما غادرت مي دولة عمل الزوج عائدة إلى مصر، كانت حاملا بطفل جديد، لافتة إلى أن سوء المعاملة والعنف اللذين تلقتهما خلال زواجها جعلاها تعيش ما تصفه بـ"أسوأ فترة حمل ممكن ست تعيشها"، إذ تقول: "كنت قلقانة وخايفة ومش عارفة هاعمل إيه، واتمنيت الحمل ينزل عشان ابني ميشوفش اللي عشته".
تصورت مي أن الطلاق سيكون نهاية أفضل للزيجة المتوترة، لتتمكن من رعاية طفلها الذي يُظهر "سمات توحد" في جو هادئ يساعده على التحسن، لكن بمجرد إبلاغها له بنيّتها الانفصال، الذي رفضه، ازداد شراسة في مهاجمتها ومحاولات تشويه سمعتها. تقول مي: "كان بيهددني ووصل بيه الحال إنه ينكر ابننا التاني إللي مشافوش ولا صرف عليه مليم.. ده سبب لي ألم وأذى كبير؛ أكبر بكتير حتى من الضرب والعنف الجسدي".
ومع رفض الزوج تطليقها، اضطرت مي في النهاية لرفع دعوى خلع تتنازل فيها عن حقوقها مقابل حريتها من تلك العلاقة المسيئة.
المجتمع يقدم مبررات للجاني أحيانا!
يقول المحامي عمرو محمد، المعني بقضايا العنف ضد النساء، إن العنف ضد الشريكات السابقات ممارسة موجودة طوال الوقت، لكن وجود وسائل التواصل الاجتماعي والاهتمام الإعلامي شجّع بعض الضحايا والناجيات على الإفصاح عن تعرضهن للعنف من شركائهن السابقين، بينما كان يُتكتم على الأمر في أوقات سابقة خشية التعرض للوصم واللوم، خاصة عند تعرض الضحية للابتزاز والتشهير والنيل من كرامتها وشرفها.
ويضيف محمد أن أكثر جرائم العنف ضد الشريكات السابقات انتشارا، بحسب ملاحظته، هي جرائم الابتزاز والتشهير وتشويه السمعة، لافتا إلى أن بعض الجرائم تكون أكثر عنفا وحدة وخطرا على سلامة وأمن المجتمع، ومنها جرائم القتل التي وقعت بحق عدد من النساء والفتيات على خلفية رفضهن الارتباط، ومن بينهن نيرة أشرف وسلمى بهجت وغيرهن، وحذّر من خطورة أن يوفر المجتمع مبررات للجاني لممارسة العنف ضد شريكته السابقة، مثل خشيته على أطفاله، وغيرها من الأفكار التي تضفي قبولا مجتمعيا على ممارسة العنف ضد الشريكات السابقات.
وينوه محمد إلى "وجود بعض الإشكاليات القانونية في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، ومنها أن آليات الإبلاغ والشكاوى ليست ميسرة للضحايا، فضلا عن غياب ضمانات الحماية، حيث يتم الاعتداء على بعض السيدات لأنهن تقدمن بشكاوى ضد شركائهن السابقين"، معتبرا أن تعرض شريكات سابقات للعنف، خصوصا لجرائم قاسية كالقتل والتشويه، يمثل ضغطا على النساء اللاتي يتعرضن للعنف، إذ يتخوفن من رد فعل الشريك حال إعلان رغبتهن الانفصال.. "ده بيخليهم يفكروا مليون مرة قبل طلب الانفصال أو الطلاق، وبشوف حالات كثيرة متقبلة العنف عشان متقدرش تتوقع ممكن يعمل فيها إيه بعد الطلاق أو متهددة لو قررت تنفصل".
أسماء واجهت التشهير والابتزاز مع الطلاق
أسماء سيدة أخرى من السيدات اللاتي عُنِّفن زوجة وطليقة، إذ تعرضت في زواجها للاعتداء بالضرب والسب والتعنيف النفسي.
كان زوج أسماء يبقى في المحافظة التي يعمل بها شهورا بعيدا عن منزلهما، ورفض الاستجابة لأي من محاولاتها لإصلاح علاقتهما، ما دفعها في النهاية لطلب الانفصال لتتفرغ لرعاية طفلها الذي حصلت عليه من زواج سابق من زوج مُتوفى.
في ذلك اليوم، وبعد أن ضربها بعنف، طلّقها ثلاث مرات، لكن ظنها بأن الانفصال سيضع حدا لمعاناتها ويسمح لها بالالتفات لرعاية طفلها لم يتحقق، إذ استمر في ملاحقتها وتهديدها بالاعتداء، فضلا عن تلفيق اتهامات تسيء لسمعتها.
تقول أسماء: "كان بيتصل بيا يهددني لدرجة كانت بترعبني، كان بيهددني يؤذي ابني.. كنت بافضل أسابيع في البيت خايفة مجرد أفتح الشباك، وبعد كده بدأ مرحلة أسوأ، ابتزني وطلب مني فلوس عشان ميشوهش سمعتي".
مصدومة ومدفوعة بالخوف على ابنها وسمعتها، دفعت له عشرات آلاف الجنيهات، وحين توقفت عن الدفع اعتدى عليها وضربها مجددا، وبدأ الاتصال بوالدتها وأصدقائها وتشويه سمعتها، فعادت للدفع خشية أن يتصل بأقاربها، تقول: "إحنا صعايدة والكلام في السمعة مفيهوش هزار، كان ممكن أتقتل منه أو حتى من أهلي لو صدقوه".
استفاقت أسماء وقررت عدم الاستجابة لابتزازه أيا كان الثمن.. "كرهت حياتي ومكنتش عارفة أعيش، فقررت أوقف كل الأذى ده.. استخدمت مكالماته ورسائله إللي بيهددني ويبتزني فيها وتحويلات الفلوس، ورفعت عليه قضية ابتزاز وأخدت حكم".
تقول أسماء إنها قررت المواجهة بعد أن تأثر ابنها بشدة بممارسات زوجها العنيفة، فالطفل الذي فقد والده البيولوجي وعمره عامان فقط كان يدعوه بابا، لكنه وجده يمارس العنف والتهديد ضد أمه وضده، فأصبح يعاني الخوف الشديد باستمرار وضعف الثقة بنفسه والانطواء، وهو ما يؤثر فيه حتى الآن، إذ ما زال يتلقى علاجا نفسيا.
أسماء، التي استطاعت التغلب على خوفها ووقف العنف الذي تعرضت له لسنوات، تنصح النساء اللاتي يواجهن عنفا من شركائهن الحاليين أو السابقين ألا يستسلمن للتهديد والخوف، لأن استسلامهن يشجع الشخص المؤذي على الاستمرار في الأذى والاستمتاع به، مشيرة إلى أن تجربتها في مواجهة الابتزاز والتشهير عبر بلاغ لمباحث الإنترنت كانت إيجابية وفعالة في وقفه.
تجريم التشهير والابتزاز في القوانين المصرية
يجرّم قانون العقوبات المصري الابتزاز والتشهير والتهديد بهما، وذلك في المادتين 326 و327، وتُغلّظ الأخيرة عقوبة التهديد حال كان مصحوبا بابتزاز، أي بإفشاء أمور أو نسبة أمور مخدشة بالشرف، فيُعاقب المتهم بالسجن.
كما يجرّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 جرائم الابتزاز والتشهير الإلكتروني وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، كما تُشدَّد العقوبة في حال المعالجة التقنية لمعلومات شخصية بطريقة تمس اعتبار المجني عليه أو شرفه.
وتنص المادة 25 على معاقبة انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو نشر معلومات أو صور أو ما في حكمها عن شخص دون رضاه، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين.
أما المادة 26 من القانون نفسه، فتعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة من 100 ألف إلى 300 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، كل من تعمّد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى مناف للآداب العامة، أو إظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.
تداعيات العنف ضد الشريكات السابقات
لا تتوقف آثار عنف الشريك الحميم عند الأذى الجسدي، إذ يمتد إلى الصحة النفسية للنساء أيضا. ووفقا لدراسة شملت أكثر من 250 ألف امرأة، يرتبط التعرض لعنف الشريك بارتفاع مخاطر الإصابة بعدد من الاضطرابات والمشكلات النفسية، في مقدمتها الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والأفكار والسلوكيات الانتحارية. وتشير الدراسة إلى أن النساء اللواتي يتعرضن لعنف الشريك أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهن، بما يوضح أن العنف داخل العلاقات الحميمة لا ينتهي بانتهاء الاعتداء نفسه، وإنما قد تمتد آثاره إلى حياة النساء وصحتهن النفسية لفترات طويلة.
كما تُقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو ثلث النساء حول العالم (32%) تعرضن مرة واحدة على الأقل في حياتهن، منذ سن 15 عاما، لعنف جسدي و/أو جنسي على يد الشريك أو شخص آخر، أو لكليهما.
وترجّح المنظمة أن تكون معدلات انتشار العنف ضد المرأة أعلى من الأرقام المسجلة، في ظل الوصمة الاجتماعية التي قد تحول دون الإفصاح عن تجارب العنف والإبلاغ عنها، إلى جانب استمرار وجود فجوات وتحديات في جمع البيانات وقياس حجم الظاهرة. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين، لم تتراجع معدلات عنف الشريك إلا بمتوسط سنوي قدره 0.2%، لتظل نسبة النساء المتعرضات له قريبة من الثلث عالميا، وهو ما يشير إلى محدودية التقدم المحرز في الحد من العنف ضد النساء والفتيات، ويجعل تحقيق الغاية 5.2 من أهداف التنمية المستدامة، المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات بحلول عام 2030، هدفا بعيد المنال وفق الاتجاهات الحالية.
من جانبها، تقول الأخصائية النفسية ريهام علي إن ظاهرة ممارسة بعض الذكور العنف والإساءة في مواجهة شريكاتهم السابقات تتطلب وعيا مجتمعيا وقانونيا لحماية النساء وتوفير الأمان لهن، خاصة أن بعض أشكال الإيذاء تكون شديدة القسوة والعنف، وقد تصل للقتل وإيذاء الأطفال والتشويه والاعتداء على الممتلكات، ما يفقد الضحايا الشعور بالأمان ويصيبهن بالقلق وضعف الثقة بأنفسهن ويتركهن تحت سطوة الإساءة.
وتشير علي إلى أن ممارسي العنف ضد شريكاتهم السابقات يمتلكون شخصيات غير سوية نفسيا وسلوكيا، ومن ثم فهم يوفرون لأنفسهم المبررات دائما وينظرون لأنفسهم باعتبارهم ضحايا لا جناة، وأن ما يقومون به من تخطيط وتنفيذ للإيذاء مبرر باستردادهم حقوقا مزعومة بالسيطرة والسطوة على حياة شريكاتهم السابقات.
ونوّهت علي إلى أن شعور النساء بعدم تمكنهن من التخلص من العلاقات المسيئة والمؤذية في حياتهن رغم الانفصال قد يسبب لهن الإصابة بعدد من المشكلات والاضطرابات النفسية كالاكتئاب واضطراب القلق والخوف المفرط، وغيرها من المشكلات التي تؤثر سلبا على جودة حياة النساء وكذلك أطفالهن إن كان لديهن أطفال.
وتؤكد أن التعافي يبدأ عقب وقف الاعتداءات والتهديدات من خلال الاندماج المجتمعي، إذ يوفر الاختلاط بأشخاص جيدين وعدم الانعزال شعورا بالأمان، كما يوفر بعض الحماية من اعتداءات الشريك السابق المسيء.
وتشدد الأخصائية النفسية على ضرورة حصول النساء اللاتي تعرضن للعنف والإيذاء من الشركاء السابقين على المساعدة النفسية التي قد تشمل العلاج النفسي في بعض الحالات، وهو ما يساعدهن على ترميم صلابتهن النفسية وبنائها، وتخفيف التأثيرات السلبية للتجارب الصعبة التي مررن بها، ليس في مرحلة الزواج أو الارتباط فقط، بل في مراحل الانفصال أيضا، التي تخالف توقعاتهن غالبا؛ إذ يتصورن أن الانفصال سيخلصهن من المشكلات، ما يزيد من قسوة أثر العنف والإساءة بعد الانفصال كونه عكس المتوقع منهن.
هل ينجح قانون مناهضة العنف الموحد في توفير الأمن للنساء؟
في يوليو 2026، أعلنت النائبة مها عبد الناصر تبنّي مشروع «القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات»، الذي أعدّته «قوة العمل من أجل تطوير وتحسين المنظومة التشريعية لحماية النساء»، بمشاركة مؤسسة قضايا المرأة المصرية، ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، ومؤسسة المحاميات المصريات، ومؤسسة تدوين لدراسات النوع الاجتماعي.
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من المحاولات لتمرير القانون عبر البرلمان؛ ففي ديسمبر 2017 أعلنت 9 منظمات حقوقية نسوية تشكيل قوة العمل من أجل قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء. ورغم تبني عدد من النائبات مشروع القانون الذي أعدّته قوة العمل الموحدة، ومن بينهما النائبتان نادية هنري ونشوى الديب، في البرلمانات السابقة، فإن مشروع القانون لم تتم مناقشته في مجلس النواب حتى دورته الأخيرة.
وقرر عدد من المنظمات المشاركة في قوة العمل تطوير مشروع القانون في ظل التحديات والمتغيرات المجتمعية المتعلقة بالعنف ضد النساء خلال السنوات الماضية، لتخرج خمس من المنظمات بنسخة أخيرة محدثة من مشروع القانون منتصف العام 2025، مجددات دعوتهن لتبني القانون وإقراره على أمل السيطرة على العنف الموجه ضد النساء. وذلك قبل أن تعلن النائبة مها عبد الناصر تبنيها لمشروع القانون داخل مجلس النواب.
ويتضمن مشروع القانون في نسخته المحدثة، والتي حصلنا على نسخة منها، 81 مادة تقع في أربعة أبواب، تعالج أشكالا متعددة من العنف ضد النساء، مثل العنف الرقمي والعنف الاقتصادي والعنف الأسري وغيرها. ويتناول المشروع مجموعة من الجرائم الشائع ارتكابها بحق المنفصلات، ومن بينها الاعتداء بالضرب، وإحداث الجروح والإصابات، والاحتجاز والخطف، والإتيان بأفعال تسبب أذى نفسيا، وإلقاء المواد الحارقة، والملاحقة.
وفي شأن جرائم العنف الرقمي التي يشيع ارتكابها بحق النساء المنفصلات من قبل شركائهن السابقين، يجرّم مشروع القانون تصوير أو إذاعة أو نشر أي صور أو معلومات خاصة بالنساء والفتيات، أو تشويهها أو تغييرها لصور إباحية والتهديد بنشرها، كما يجرّم بث صور العلاقة الحميمة سواء أثناء الزواج أو في حال انتهائه. وكذلك يجرّم نشر البيانات الشخصية الخاصة بالنساء، وممارسة الابتزاز المادي أو الجنسي بحقهن.
القانون يوفر آليات حماية عاجلة
تقول انتصار السعيد، المحامية ورئيسة مجلس أمناء مركز القاهرة للتنمية والقانون، وإحدى خبيرات تطوير مسودة القانون، إن وجود قانون شامل أو موحد للعنف ضد النساء ليس مجرد تفصيل تشريعي، بل تغيير في الفلسفة القانونية نفسها.
وتشير السعيد إلى أن القوانين التي تعالج العنف في مصر متفرقة، حيث يتناول قانون العقوبات الضرب والإيذاء والقتل، ويتناول قانون الأسرة قضايا النفقة والطلاق والحضانة وغيرها، ما يؤدي إلى عدم الاعتراف بالعنف ضد المرأة منظومة متكاملة لها جذور اجتماعية واقتصادية وثقافية، وهو ما يبرز أهمية القانون الموحد لمناهضة العنف.
وتضيف: "القانون الموحد ضروري لأنه يعترف بأن العنف ضد النساء ظاهرة قائمة على النوع الاجتماعي مش مجرد جنحة فردية، ويوحد التعريفات زي العنف النفسي، الاقتصادي، الرقمي، الأسري، وغيره، بدل ما تفضل مبهمة، ويوجد آليات حماية عاجلة زي أوامر الحماية والبيوت الآمنة والدعم القانوني والنفسي، وده مهم جدا للنساء المعنفات وخصوصا المعرضات للخطر زي الشريكات السابقات وضحايا العنف، وأن القانون يربط بين الوقاية والعقاب، فلا يُعنى فقط بعقاب الجاني، لكن يمنع تكرار الجريمة ويعالج أسبابها من خلال آلياته المختلفة".
وتؤكد عضو لجنة إعداد القانون أن الشريكات السابقات من أكثر الفئات عرضة للعنف، وهو ما يظهر في حالات الاعتداء والقتل والتهديد والتشهير الرقمي؛ معتبرة أن السبب الأساسي في تنامي تلك الظاهرة هو شعور بعض الذكور بفقدان السيطرة بعد انتهاء العلاقة، ورغبتهم في معاقبة السيدة لمطالبتها بحقوقها سواء في الطلاق أو الخلع أو الحضانة والنفقة، فضلا عن غياب الردع القانوني السريع والحماية الفعلية.
وتوضح السعيد أن القانون الموحد لا يعني نصوصا أكثر، بل رؤية متكاملة تضع كرامة النساء في صميم العدالة، وتؤكد في رسالة واضحة أن الشريكة السابقة لها حق الحماية من كل أشكال الأذى، وأن الانفصال لا يسقط عنها حقها في الأمان.
وتضيف أن وجود القانون الموحد يعالج تلك المشكلات من خلال توفير الوقاية والحماية الفورية، إذ يتيح للمرأة طلب أمر حماية عاجل يمنع المعتدي من الاقتراب أو التواصل أو التهديد، حتى قبل صدور حكم نهائي، كما يجرّم القانون العنف النفسي والاقتصادي والرقمي، ولا يكتفي بتجريم العنف الجسدي.
وتشير إلى أن إقرار القانون يحقق ردعا أكبر، حيث تكون العقوبة أشد في حالات العنف بعد الانفصال لتضمّنها نية انتقامية واضحة، فضلا عن حمايته النساء اللاتي يلجأن للقضاء للمطالبة بحقوقهن القانونية، ما يخفض الجرائم والتهديدات التي تطال الشريكات السابقات عند لجوئهن للقضاء، وإنشاء وحدات متخصصة في النيابة والشرطة أكثر تأهيلا وتلاؤما لتلقي شكاواهن، فضلا عن توفير الدعم والمساندة القانونية والنفسية للناجيات من العنف.
وتصف السعيد إقرار القانون الموحد بأنه "مفتاح لباب مناهضة العنف"، وهو ما يجب أن يتزامن مع إصلاح الثقافة المؤسسية في التعامل مع العنف ضد النساء، وخاصة لدى المتعاملين مع الشكاوى والبلاغات في أجهزة الشرطة والنيابة العامة، وتدريب المحققين على التعامل مع حالات العنف الأسري، وتدشين حملات إعلامية وتوعوية لمناهضة العنف بجميع أشكاله.
بين قصص سلمى ومي وأسماء وغيرهن من الناجيات، ومشروع قانون ما زال ينتظر مناقشته في البرلمان منذ سنوات، يبقى السؤال: هل تكفي نصوص القانون وحدها لحماية النساء بعد الانفصال، أم أن الأمر يحتاج، إلى جانب التشريع، تغييرا حقيقيا في نظرة المجتمع لمن تطلب حريتها؟ فحتى يصدر القانون الموحد ويُطبق فعليا، تظل الشريكات السابقات بحاجة إلى آليات حماية عاجلة وشبكات دعم قانوني ونفسي تحميهن مما هو أخطر من الطلاق أو الانفصال نفسه.