قبل نحو أربع سنوات من انتهاء الولاية الرئاسية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2030، بدأ النقاش حول مستقبل انتقال السلطة في مصر يأخذ مسارًا جديدًا، عقب تأكيد الرئيس عدم إجراء تعديلات دستورية لتمديد بقائه في الحكم، وطرحه تصورًا لإعداد مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية من خلال الأكاديمية العسكرية.

وجاءت تصريحات السيسي في وقت كانت فيه الحركة المدنية الديمقراطية، التي شهدت مؤخرًا إعادة هيكلة لمؤسساتها القيادية، تعلن رفضها أي تعديلات دستورية جديدة تسمح بتمديد ولايته. لكن تأكيده انتهاء فترة حكمه عام 2030 دفع الحركة إلى تحويل اهتمامها من مواجهة احتمالات التمديد إلى الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة، تتجاوز الانتخابات الرئاسية إلى طرح تصورات لمستقبل الحكم في مصر.

وفي هذا السياق، أعلنت الحركة اعتزامها بدء الاستعداد للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2030، من خلال بلورة برنامج سياسي وإصلاحي، وإجراء مشاورات مع القوى والشخصيات السياسية. غير أن تصريحات قياداتها لم تكشف حتى الآن عن خطة تنفيذية محددة أو جدول زمني للخطوات التي تعتزم اتخاذها خلال السنوات المقبلة.

وتأتي هذه التحركات بعد تجربة انتخابات 2023، التي لم تتمكن خلالها الحركة من التوافق على مرشح رئاسي واحد، وفي ظل خلافات داخلية شهدتها خلال الأشهر الماضية، فضلًا عن القيود المفروضة على المجال العام وصعوبة الوصول إلى المواطنين.

وفي الوقت نفسه، أعاد مقترح إعداد المرشحين للرئاسة داخل الأكاديمية العسكرية الجدل بشأن القواعد التي ستنظم الانتخابات المقبلة، وحدود دور المؤسسة العسكرية في تأهيل المرشحين لمنصب مدني، ومدى توافق أي شروط جديدة للترشح مع أحكام الدستور.

برنامج وطني على طاولة الحركة المدنية 

جاء إعلان الحركة المدنية استعدادها للاستحقاق الرئاسي المقبل في بيان أصدرته في 19 أكتوبر 2026، عقب تصريحات السيسي بشأن انتهاء ولايته عام 2030، أكدت فيه حق المصريين في اختيار من يحكمهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، ودعت قوى المعارضة إلى البدء فورًا في الاستعداد للمرحلة المقبلة، من خلال صياغة برنامج وطني للإصلاح الديمقراطي، يستهدف بناء دولة مدنية تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة واحترام الحقوق والحريات.

في هذا الإطار، يقول أكرم إسماعيل، المنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية، إن الحركة استقبلت تصريحات السيسي بشأن انتهاء ولايته الرئاسية وعدم المساس بالدستور بارتياح شديد، معتبرًا أن المرحلة المقبلة قد تفتح المجال أمام مسار للتغيير الديمقراطي، يستدعي من القوى السياسية تقديم برامجها ورؤاها للإصلاح، وفتح نقاش جاد حول مستقبل مصر بعد عام 2030.

ويوضح إسماعيل، في حديثه لـ«أثر»، أن الحركة تعتزم إجراء مشاورات واسعة مع شخصيات وقوى سياسية مختلفة، والعمل على صياغة برنامج يتناول القضايا المرتبطة بحياة المواطنين، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والسكن والاقتصاد، إلى جانب الحكم المحلي وفصل السلطات، مع السعي إلى توسيع مساحات العمل السياسي والوصول إلى قطاعات أوسع من المواطنين.

من جانبه، يرى خالد تليمة، عضو اللجنة التنفيذية للحركة المدنية الديمقراطية، أن استعداد المعارضة للانتخابات الرئاسية المقبلة يجب ألا ينحصر في البحث عن مرشح أو الالتفاف حول مشروعات فردية، معتبرًا أن التركيز على الأسماء كان أحد أسباب إضعاف المعارضة خلال السنوات الماضية.

ويقول تليمة، في حديثه لـ«أثر»، إن الحركة تسعى إلى التركيز على معارك سياسية محددة، تبدأ بالدفاع عن احترام الدستور والقواعد المنظمة للانتخابات، وتمتد إلى مواجهة سياسات الإفقار والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

دروس 2023.. هل تتجاوز الحركة المدنية خلافاتها الانتخابية؟ 

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي يرى أن المرحلة الممتدة حتى عام 2030 تستدعي إعادة تعريف دور الحركة المدنية وقوى المعارضة، بعد تعثر محاولاتها السابقة للعمل ضمن تحالف انتخابي موحد أو التوافق على مرشح رئاسي واحد.

ويرى عبد الرحمن، في حوار صحفي أجرته معه «أثر»، أن الحركة ينبغي أن تتحول إلى «ورشة لطرح البدائل»، تعمل على صياغة تصورات ديمقراطية واقعية لانتقال السلطة، وتقديم سياسات بديلة في ملفات الاقتصاد والحكم المحلي والحريات العامة وسجناء الرأي، بدلًا من اختزال دورها في الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.

ويدعو عبد الرحمن إلى توسيع نطاق العمل السياسي ليشمل ما يسميه «التيار المدني الديمقراطي»، بحيث لا يقتصر على الأحزاب السياسية، وإنما يمتد إلى النقابيين والقيادات العمالية والمنظمات الحقوقية والتنموية ومختلف مكونات المجتمع المدني.

كما يشدد على ضرورة تطوير أدوات التواصل مع المواطنين، وعدم الاكتفاء بالبيانات الصحفية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، والبحث عن وسائل جديدة للوصول إلى الأجيال الشابة التي تشكل وعيها السياسي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

وتستند انتقادات عمرو عبد الرحمن إلى تجربة الانتخابات الرئاسية عام 2023، التي شهدت تباينًا في مواقف القوى المنضوية تحت مظلة الحركة المدنية الديمقراطية بشأن المشاركة فيها، إذ لم تتمكن الحركة من التوافق على مرشح رئاسي واحد أو تبني موقف موحد من الانتخابات، نتيجة اختلاف تقديرات أحزابها وشخصياتها العامة بشأن جدوى المشاركة والضمانات اللازمة لإجراء انتخابات تنافسية. 

ويرى عبد الرحمن أن هذه التجربة أظهرت حدود قدرة الحركة على العمل كتحالف انتخابي موحد، وهو ما يدفعه إلى الدعوة لإعادة تعريف دورها، بحيث تركز على صياغة برامج وبدائل سياسية مشتركة، بدلًا من حصر نشاطها في التوافق على مرشح رئاسي أو اتخاذ موقف من المشاركة في الانتخابات.

شروط الترشح.. جدل حول دور الأكاديمية العسكرية

وبالتوازي مع استعدادات الحركة المدنية للانتخابات الرئاسية المقبلة، أثار مقترح السيسي إعداد مرشحين محتملين للرئاسة داخل الأكاديمية العسكرية جدلًا بشأن مدى توافقه مع أحكام الدستور. وكان الرئيس قد طرح، خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية في 17 أكتوبر، برنامجًا لتأهيل قيادات محتملة لرئاسة الجمهورية لمدة 30 شهرًا، تتولى لجنة تضم شخصيات سياسية ومفكرين ومسؤولين وضع معايير اختيار المشاركين فيه.

ولم تتضح بعد الطبيعة القانونية للبرنامج، وما إذا كانت المشاركة فيه ستظل اختيارية أم ستصبح شرطًا للترشح للرئاسة، في ظل عدم الإعلان عن صيغة تشريعية تنظم تطبيقه.

من جهته، يرفض وليد العماري، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، ربط الترشح لرئاسة الجمهورية بالتدريب داخل الأكاديمية العسكرية، معتبرًا في حديثه لـ«أثر» أن فرض مثل هذا الشرط يمثل «وصاية على المرحلة اللاحقة»، وينطوي على افتراض بعدم نضج المرشحين والناخبين وقدرتهم على الاختيار.

من جانبه، يرى خالد تليمة، عضو اللجنة التنفيذية للحركة، أن اشتراط اجتياز البرنامج التدريبي للترشح للرئاسة يمثل آلية «معلبة وغير دستورية» لانتقال السلطة، تستدعي مواجهتها قضائيًا، مشددًا على أن هذا التقييم يعبر عن رأيه الشخصي، وليس عن موقف رسمي للحركة.

أما أكرم إسماعيل، المنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية، فيؤكد أن الحركة لم تحسم بعد موقفًا رسميًا من المقترح، لكنها ستعارض أي شروط جديدة للترشح تتعارض مع الدستور حال إقرارها، وقد تلجأ إلى المسار القانوني للطعن عليها، إلى جانب إعلان رفضها سياسيًا.

وتنص المادة 141 من الدستور المصري على الشروط الأساسية الواجب توافرها في المرشح لرئاسة الجمهورية، فيما تنظم المادة 142 إجراءات الترشح والتزكيات المطلوبة. وبذلك، فإن تحديد مدى دستورية أي اشتراطات إضافية يتوقف على طبيعتها وصيغتها القانونية ومدى اتفاقها مع أحكام الدستور، خصوصًا إذا ترتب عليها تقييد حق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

المجال العام.. عقبات أمام استعدادات المعارضة

ولا تقتصر التحديات التي تواجه الحركة المدنية على الجدل بشأن شروط الترشح، إذ يرى أكرم إسماعيل، المنسق العام للحركة، أن استمرار القيود على المجال العام والتضييق على الأصوات المعارضة يمثلان أبرز العقبات أمام استعداداتها للانتخابات المقبلة، ويحدان من قدرتها على التواصل مع المواطنين وعرض برنامجها السياسي.

ويستشهد إسماعيل، في حديثه لـ«أثر»، بالقبض على صحفيين من منصة «متصدقش»، وإحالة لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، إلى المحاكمة، معتبرًا أن هذه الوقائع تأتي في سياق سياسات تقيد حرية الصحافة والعمل السياسي، وتزيد من صعوبة وصول المعارضة إلى الجمهور.

ويتفق معه وليد العماري، المتحدث باسم الحركة، الذي يرى أن التضييق على وسائل الإعلام المستقلة، إلى جانب عدم إتاحة المجال لظهور ممثلي الحركة في وسائل الإعلام الحكومية، يضعان عقبات إضافية أمام قدرتها على تقديم رؤيتها السياسية، والمطالبة بفتح المجال العام لضمان انتقال ديمقراطي للسلطة.

أزمات داخلية وإعادة هيكلة

وإلى جانب التحديات السياسية التي تواجه الحركة المدنية الديمقراطية، شهدت الحركة خلال الأشهر الماضية خلافات داخلية، كان أبرزها الجدل الذي أثاره بيان أصدرته في يونيو الماضي تضامنًا مع المهندس أكمل قرطام، على خلفية هدم قصر مملوك له بمحافظة الجيزة، بسبب ما قالت السلطات إنه تعدٍّ على حرم نهر النيل.

وأثار البيان انتقادات بسبب الربط بين واقعة هدم القصر وقضايا نزع الملكية في جزيرة الوراق والمقابر التاريخية، قبل أن تحذفه الحركة وتصدر اعتذارًا عن صياغته، مؤكدة أن الربط بين الواقعة والقضايا الوطنية الكبرى لم يكن مقصودًا، وأن الدفاع عن رموز الحركة في مواجهة أي انتهاكات يجب أن يظل منفصلًا عن القضايا التي تمس حقوق قطاعات واسعة من المواطنين.

وفي سبتمبر الماضي، أعلنت الحركة إعادة هيكلة مؤسساتها القيادية، بإلغاء مجلس الأمناء واختيار أكرم إسماعيل منسقًا عامًا، وتشكيل لجنة تنفيذية تضم صلاح عدلي وسيد الطوخي وخالد تليمة وحمدي قشطة وأحمد كامل، إلى جانب أمانة عامة تضم ممثلين للأحزاب والشخصيات العامة المشاركة فيها.

وتأتي هذه التغييرات بالتزامن مع استعداد الحركة للاستحقاق الرئاسي المقبل، في ظل تحدٍّ يتعلق بقدرتها على تنسيق مواقف مكوناتها المختلفة، وتجاوز الخلافات التي شهدتها خلال السنوات الماضية، وتحويل خططها السياسية إلى برنامج مشترك يمكن طرحه على المواطنين قبل انتخابات 2030.

وبين إعلان الاستعداد المبكر لانتخابات 2030، والخلاف حول القواعد المحتملة للترشح، ومحاولات إعادة تنظيم صفوفها، تدخل الحركة المدنية مرحلة تسعى خلالها إلى بلورة برنامج سياسي وتوسيع حضورها بين المواطنين. وحتى الآن، تظل الخطوات المعلنة في إطار المشاورات والتوجهات العامة، من دون خطة تنفيذية واضحة أو جدول زمني معلن، فيما يتوقف مسار استعداداتها خلال السنوات المقبلة على قدرتها على بناء توافق داخلي، والوصول إلى قطاعات أوسع من المجتمع، والتعامل مع القيود التي تواجه العمل السياسي في مصر.