على مدار أيام، انشغل كثير من المواطنين بتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 14 أكتوبر الجاري، التي أكد فيها أن "لمصر دستورًا تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد". وتباينت ردود الفعل بين مصدق ومشكك، وكنت من بين المتشككين في هذه التصريحات، استنادًا إلى مواقف سابقة للرئيس.
ففي أغسطس 2013، أعلن السيسي أنه لن يترشح للرئاسة، قبل أن يخوض الانتخابات الرئاسية عام 2014. وفي نوفمبر 2017، أكد خلال مقابلة مع شبكة تلفزيونية أمريكية التزامه بفترتين رئاسيتين، مدة كل منهما أربع سنوات، كان من المفترض أن تنتهيا في عام 2022. لكن الدستور عُدّل في عام 2019، بما أتاح له البقاء في السلطة حتى عام 2030.
وجاء ذلك رغم تأكيد مقدمي التعديلات الدستورية، من نواب الأحزاب الموالية للرئيس وحكومته، أن"رئيس الجمهورية لم يطلب مثل هذا التعديل"، وأن المقترح جاء"ابتداءً وانتهاءً من نواب الشعب تقديرًا للدور التاريخي لرئيس الجمهورية".
لكن الرئيس عاد، في 17 أكتوبر الجاري، ليؤكد خلال حديثه في الأكاديمية العسكرية أن "2030 هتبقى نهاية مدة رئاستي للدولة إن كان ليا عمر"، وسط تصفيق ممثلين عن سلطات الدولة والمؤسسات الدينية. وشدد على أنه لن يُجري تعديلات دستورية تتيح تمديد فترات الرئاسة، قبل أن يعرض تصوره لكيفية إدارة انتقال السلطة في مصر بعد انتهاء ولايته، متحدثًا عنه باعتباره توجهًا نهائيًا يأمل أن يحظى بدعم مؤسسات الدولة والشعب، وأن يتحول إلى قانون ملزم.
وقد يرتبط هذا التوجه من جانب الرئيس والمؤسسة العسكرية بعوامل داخلية، في مقدمتها تفاقم الأزمة الاقتصادية، أو باعتبارات إقليمية تتعلق بالحرب الدائرة في المنطقة، لا سيما أن حديثه تزامن مع طرح مسألة أخرى، تمثلت في طلب موافقة مجلس النواب على مشاركة القوات المسلحة المصرية في الدفاع عن المملكة العربية السعودية في حرب اليمن.
أيًا كانت الدوافع، هذا أمر يفترض أن يكون إيجابيًا وباعثًا على الأمل، إذ قررت السلطة في مصر أن يكون هناك انتقال سلمي للسلطة في مصر لأول مرة، وألا تترك مسألة تحديد الرئيس القادم للقدر (بوفاته)، أو الاضطرابات الكبرى التي تتدخل القوات المسلحة بعدها لعزل الرئيس، كما حدث مع مبارك ومرسي. فسواء كنتَ مشاركًا في انتفاضة يناير 2011 وانتفاضة يونيو 2013، وأيدتَ خلع مبارك ومرسي أو لا (أو كنت مشاركًا في واحدة دون الأخرى)، لا خلاف على أن هذا الأسلوب ليس الطريقة الطبيعية التي يجب أن تكون معتادة في تغيير رأس السلطة في مصر. وأنا، كمواطنة شاركت ضمن ملايين في الحدثين، أدركُ أن الانتفاضات الشعبية ليست سهلة، بل مرهقة وتستنزف البلاد والمواطنين، وأن معظم الناس لا تذهب لها فرحة، وإنما مضطرة حين تنسد آفاق التغيير الأخرى.
ماذا عرض السيسي بخصوص انتقال السلطة؟
المسار الذي عرضه الرئيس مسارًا سلميًا، لكنه ليس ديمقراطيًا بالتأكيد. المسار جوهره التحكم التام في عملية التحضير للانتخابات الرئاسية، بهدف ألّا تأتي الانتخابات بأي شخص "ياخدها (الدولة) ويروح داخل بيها بقى في الحيط". وخطواته ملخصها كالتالي:
تشكيل آلية قانونية تحت مظلة الأكاديمية العسكرية، تكون مسؤولة عن تأهيل المرشحين لمدة تصل إلى 30 شهرًا، وتحديد صلاحيتهم للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، بحيث تتشكل نخبة جديدة تكون جاهزة لتبوؤ ليس هذا المنصب وحده، وإنما الوزارات ومجلس النواب ومناصب المحافظين، إلخ. أشار الرئيس أيضًا إلى سن هؤلاء المرشحين أو المتأهلين، بحيث يكون بين 40 و50 سنة، وأن يكونوا من حملة درجة الدكتوراه. لكن الرئيس لم يشر، من قريب أو بعيد، إلى كون هؤلاء من ضباط القوات المسلحة أم لا.
واللافت للنظر أن السيسي أوكل دور تأهيل المرشحين للأكاديمية العسكرية، وليس الأكاديمية الوطنية للتدريب (التي تتبع الرئيس مباشرة، ونشأت بقانون في 2017)، كما يحدث حاليًا مع نواب البرلمان، حيث دخل مجلس النواب عدد من خريجي البرامج التدريبية في الأكاديمية الوطنية للتدريب، والأهم أن كثيرين منهم يتدربون فيها بعد دخولهم مجلس النواب.
يقول بعض المعلقين، أو يتمنون، أن حضور الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية لن يكون إلزاميًا، بل سيوفر "ميزة إضافية" للمرشح، لكن هذه الأمنيات تصطدم بكلام الرئيس الصريح بأنه ستكون هناك اختبارات للقبول، وحديثه عن حضور دورة الأكاديمية العسكرية باعتباره "شرطًا"، حيث أضاف أن "الشرط ده يعفى منه كل من عمل في الوزارة 6 سنين فما فوق"، أي إنه شرط إلزامي، وقد يُستثنى منه بعض الناس (بعض الوزراء)، وهي بالطبع شخصيات مرت بالفلتر الأمني والسياسي في عهده قبل تولي مناصبها.
الرئيس أيضًا تحدث عن هذه الآلية، لا بهدف أن تكون خاصة بانتخابات 2030 فقط، وإنما كآلية دائمة: "مش الـ10 سنين اللي جايين بس، ده هنفضل نعمل الإجراء ده على طول".
السند الدستوري
قال الرئيس إن هذا المسار يستند إلى المادة 200 من الدستور، التي دافع عنها في لجنة صياغة الدستور قائلًا: "الفقرة دي لازم تبقى موجودة". وبرغم عدم توضيح الرئيس لذلك، فإن كلامه يستند إلى تعديل المادة 200 في 2019، وليس نصها الأصلي في دستور 2014 الذي وضعته لجنة الخمسين، بل ويستند إلى تفسير متطرف جدًا للتعديل. لنتذكر نصَّي المادة 200 قبل التعديل وبعده، وبالتحديد الفقرة الأولى منها:
في دستور 2014
"القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها…"
وبعد تعديلات 2019
"القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد…"
تعديلات دستور 2019 تضمنت أيضًا: زيادة مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، واستثناء الرئيس الحالي (السيسي)، بحيث يمكنه الترشح لفترة ثالثة، مع إضافة عامين لفترته الثانية، وسيطرة رئيس الجمهورية على السلطة القضائية عن طريق تشكيل المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية ورئاسة رئيس الجمهورية له، وإحكام قبضة الرئيس على السلطة القضائية بتخويله اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، بعد أن كان دوره في هذا الأمر بروتوكوليًا، وقيامه بتعيين النائب العام، وإضعاف دور مجلس الدولة بإلغاء الاختصاص الحصري له في الإفتاء في المسائل القانونية، وجعل قيامه بمراجعة مشروعات القوانين جوازيًا بعد أن كان وجوبيًا، وتضييق نطاق اختصاصه في مراجعة مشروعات العقود.
أما بخصوص دور المؤسسة العسكرية في الدولة، فجرى تعديل المادة 200 الموضحة سابقًا، وجرى أيضًا توسيع نطاق محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وأصبح وجوب موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع أمرًا دائمًا ومستمرًا، بعد أن كان هذا البند منصوصًا عليه كبند انتقالي في دستور 2014 لدورتين رئاسيتين فقط.
تلك التعديلات مررتها السلطة بعد موجة اعتقالات كبيرة للمعارضين لها، ورغم وجود المادة رقم 226 في الدستور التي تنص على "حظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات". ورغم التناقض الفج بين هذا الحظر والتعديلات، لا سيما المتعلقة بالتمديد للرئيس، ادعى أنصارها في البرلمان أن "التعديل المتقدم غير مخاطب بحظر التعديل الوارد في عجز المادة (226) من الدستور"، وأن "سريان المدة الجديدة وهي ست سنوات على الرئيس الحالي مع إعطائه الحق في الترشح لفترة رئاسية واحدة تالية تحقيقاً لاعتبارات العدالة السياسية".
تركزت حملات وخطاب المعارضة الرافضة للتعديلات أساسًا على رفض المواد المتعلقة بالتمديد للرئيس وفرض سيطرته على السلطة القضائية. ورغم بعض الإشارات إلى تعديل المادة 200 وقتها، باعتباره "إقحام للجيش في شؤون السياسة وتشويش علي أدائه لدوره الوطني"، فإنها لم تحظَ بنقاش كافٍ، أو حتى بشرح لتبعاتها في السياقات المختلفة كما ينبغي، سواء في جلسات الاستماع الست التي عقدها البرلمان.
لقد برر أنصار تعديل المادة 200 في البرلمان، وفق ما جاء في تقرير اللجنة التشريعية الختامي للمناقشات، موقفهم بأنها "لا تقحم القوات المسلحة في السياسة"، وأن "ما تم اقتراحه من تعديل دستوري في مهمة القوات المسلحة له طبيعة كاشفة وليس منشئة، وتقنين لما حدث وليس استحداثاً لمهام جديدة، واستعادت اللجنة الدور الوطني الذي قامت به القوات المسلحة في يناير 2011 ويونيو 2013 والتي لولاها لكانت البلاد في وضع آخر".
نفهم من هذا الكلام أن المقصود كان فتح الباب للقوات المسلحة أن تتدخل كما تدخلت لعزل مبارك ومرسي في 2011 و2013.
وبغض النظر عن أن لحظات الاضطراب الخاصة، كما في 2011 و2013، ما كان يجب أن تُقنن في الدستور وكأنها هي الوضع الطبيعي، ففي كل الأحوال، ما اقترحه الرئيس في الأكاديمية العسكرية يوم 17 أكتوبر يتجاوز هذا التفسير للمادة 200 بكثير، نحو تخويل المؤسسة العسكرية سلطة إدارة العملية السياسية بالكامل، وبشكل قانوني ودائم، بحيث تكون مسؤولة عن تأهيل المرشحين وفرزهم، في وصاية صريحة على إرادة المواطنين.
يشبه عرض الرئيس خليطًا بين مجلس صيانة الدستور الإيراني منذ 1979، ودور الجيش في تركيا قبل 2013. ففي إيران، مجلس صيانة الدستور يفحص طلبات المرشحين للرئاسة، ويفرز مَن منهم مؤهل لخوض الانتخابات الشعبية. في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في يونيو 2024 في إيران، تقدم لهم 80 مرشحًا، واختاروا منهم ستة ليخوضوا الانتخابات. هذا المجلس، المكوَّن من ستة رجال دين (يعينهم المرشد الأعلى) وستة رجال قانون (يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويوافق عليهم البرلمان)، منصوص عليه في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الصادر سنة 1979، وله صلاحيات أخرى، منها مراجعة القوانين التي يصدرها البرلمان، ومراجعة تطابق القوانين مع الشريعة والدستور، وفحص أهلية المرشحين للانتخابات النيابية أيضًا، وتفسير الدستور.
أما في تركيا، فكان قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة التركية يتضمن المادة رقم 35، التي تنص على أن "واجب القوات المسلحة التركية هو حماية وحراسة الوطن التركي والجمهورية التركية كما حددهما الدستور"، وكانت هذه المادة تُستخدم لتبرير الإطاحة بالحكومات المنتخبة، حتى تم تغييرها سنة 2013. لكن بالطبع، السياق المصري مختلف سياسيًا ودستوريًا وأيديولوجيًا عن السياقين التركي والإيراني.
عسكرة الوظائف المدنية
لا يمكن فصل هذا التوجه عن عسكرة الوظائف المدنية خلال السنوات الماضية، فقد صار إلزاميًا أن يجتاز أي شخص دورة تأهيلية تدريبية لمدة 6 أشهر داخل المنشآت التابعة للأكاديمية العسكرية، لكي يتم تعيينه في الجهاز الإداري للدولة والوظائف الحكومية، رغم أن قانون الخدمة المدنية الصادر في بداية عهد السيسي، رقم 81 لسنة 2016، لم يتضمن مثل هذه الشروط، ورغم أن قانون الأكاديمية العسكرية الصادر عام 2022 لم يتضمن هذه الأدوار أيضًا.
كان هذا التوجه قد بدأ بتصريحات السيسي في أغسطس 2023، في الأكاديمية العسكرية أيضًا، حين قال، وهو يشهد تخرج دفعات جديدة من الكليات العسكرية، إن "الاكاديمية... بتقوم ايضا بدور -انا بأكده هنا- في اعداد كوادر تدخل وتعمل في مؤسسات الدولة المختلفة. الناس اللي تتولى وظائف تبقا مسؤولة ومجتهدة وامينة ومخلصة فاحنا بنحاول نساهم لمدة ست شهور مثلا وبعد كده نشوف النتائج دي هتبقا عاملة ازاي".
كان هذا التوجه قد بدأ تفعيله بالفعل منذ أبريل 2023، بكتاب دوري صادر عن مجلس الوزراء، "بإصدار تعليمات لمؤسسات الدولة تلزم بحصول الراغبين في التعيين بالحكومة على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين".
صدرت بعد ذلك مجموعة من القرارات التي طبقت هذا التوجه في مجالات مختلفة، منها التعليم والأوقاف والقضاء، حيث يجب أن يخوض الموظف الدورة التأهيلية في الأكاديمية بعد أن يجتاز الاختبارات المدنية لجهاز التنظيم والإدارة، ثم اختبارات الأكاديمية العسكرية (صحية ورياضية وكشف هيئة)، وهي أيضًا أمر مستحدث، وتتضمن معايير تمييزية، خاصة ضد النساء والمعاقين، ولا علاقة لها بمهام الوظيفة، مثل الوزن الزائد واللياقة الرياضية والإعفاء الطبي من الخدمة العسكرية.
بالنسبة للمعلمين، قاوم بعض المتضررين فرض هذه الاختبارات العسكرية عن طريق التجمع السلمي والطعون القضائية، لكن مقاومتهم وُوجهت بالاعتقال، ثم برفض المحكمة الإدارية العليا لدعاواهم. كذلك، قنّن مجلس الوزراء هذه الاختبارات العسكرية عن طريق القرار رقم 165 لسنة 2025، الذي "أضاف تعديلات في اللائحة التنفيذية للباب السابع من قانون التعليم، تنص على تقنين اختبارات الأكاديمية العسكرية ضمن معايير اختيار المعلمين والمعلمات". أما القضاة الجدد، فبالإضافة إلى دورة الأكاديمية العسكرية واختباراتها، يجب أن يدفعوا رسومًا إلزامية للأكاديمية تتجاوز 100 ألف جنيه.
ماذا عن الديمقراطية؟
أتى تصريح الرئيس هذا بعد ثلاثة أيام من توصية المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية لمدة عام، بعد أن تم تأجيلها سابقًا في مايو 2016 لمدة ستة أشهر، لتزداد المخاوف من أن تلحق الانتخابات النقابية العمالية بانتخابات المحليات المؤجلة في مصر لأجل غير مسمى، والتي لم تُعقد ولا مرة، رغم النص الدستوري الصريح في 2014 بأن يتم تطبيق نظام المحليات الجديد بالتدريج خلال خمس سنوات (المادة 242). واللافت للنظر أن معدّلي الدستور في 2019 لم يهتموا حتى بتعديل هذه المادة ليبرروا هذا التأجيل.
الرسالة إذن واضحة: لا استحقاقات ديمقراطية قاعدية ستُحترم (المحليات والنقابات العمالية)، أما الاستحقاق الديمقراطي البرلماني فجرت هندسته بالكامل تقريبًا منذ 2015، والرئاسي جرى التحكم فيه بمنع المرشحين بطرق خشنة في انتخابات 2018 و2024، والمعروض الآن التحكم الكامل فيه.
المعروض علينا كمواطنين في 2030 انتقالًا سلميًا لا ديمقراطيًا. انتقالًا مُدارًا على أيدي السلطة الحالية تحت مظلة القوات المسلحة، يأتي بشخص جديد، لكنه لا تختلف توجهاته في السياسة أو الاقتصاد عن الرئيس الحالي، وذلك بالتحكم في العملية السياسية من المنبع. وبدلًا من أن يجوب المرشح وحملته مصر في مؤتمرات وحملات وخلافه، ليقنع الناس به، ليحرروا له التوكيلات ويعطوه أصواتهم بعد ذلك، عليه أن يعيش 30 شهرًا مع ممثلي أجهزة الدولة المدنية والعسكرية ليصبح جزءًا منهم.
يقول الكثيرون إن هذا كله غير دستوري، وأوافقهم. لكن من برروا تعديل الدستور في 2019 رغم الحظر الدستوري الصريح في دستور 2014، لن يعجزوا عن تبرير إضافة أي شروط للترشح للرئاسة إلى القانون، مثل حضور دورة الأكاديمية، وسيعتبرونها متسقة مع عبارة "يحدد القانون شروط الترشح الأخرى" الواردة في المادة 141 من الدستور، التي تحدد شروط انتخاب الرئيس.
إن مسعى السلطة هذا مفهوم في ظل الدور الكبير الذي يلعبه رئيس الجمهورية في مصر تاريخيًا، وخاصة بعد تكريس صلاحيات ضخمة في يديه عن طريق تعديلات دستور 2019. لكنه ليس قدرًا. فإن كانت توجد حسنة واحدة في تصريحات الرئيس الأخيرة والمسار الذي يقترحه لانتقال السلطة في مصر، فهي أنها ذكّرتنا أن هناك دستورًا واستحقاقات ديمقراطية، وفتحت أملًا في التغيير، وأعادت نقاشات كنا قد نسيناها، وعلينا، كمواطنين وكمشاركين في الحركة الديمقراطية المصرية بمعناها الواسع، أن نخوضها الآن، لتصبح عملية المقاومة لهذا المسار السلطوي الذي تقدمه السلطة بدايةً لمسار تغيير جديد.
كذلك، أي تغيير، حتى لو كان مُدارًا من قبل السلطة، يفتح أبواب الاحتمالات، فهناك حالات لبلاد أخرى بدأت فيها «عملية الانتقال بتصور تضعه السلطة القائمة»، لكن نتائجها تحددت «من خلال التفاعل بين مؤسسات الحكم والقوى السياسية والاجتماعية».
وعلينا في غمار هذا النقاش الضروري أن نتذكر أن الخوف من التغيير لا يكون من قبل السلطة ومنتفعيها فقط، وإنما أيضًا من قطاعات من المواطنين قد يكونون ساخطين على سياسات السلطة الحالية المتسمة بالقمع والإفقار، لكنهم خائفون أيضًا من الديمقراطية والمسارات التي قد تأخذهم إليها، مثل مغامرات غير آمنة في السياسة الخارجية، أو حكومة دينية متطرفة، أو سياسات اقتصادية أكثر سوءًا. فهناك دائمًا ما هو أسوأ.




